من " شرك القبور" إلى شرك
الشركات متعددة الجنسيات
بقلم : مصطفي حامد ابو الوليد المصري
لا جدال أن الأخ "أبو عبد الله"/ أسامة بن لادن/، يمتلك من الصفات الأخلاقية العالية مالا يمكن أن يقاربه فيه إلا النذر اليسير من البشر . صفات مثل الشجاعة والكرم وسماحة الخلق والصدق .. إلى آخر قائمة طويلة من صفات يكاد يندثر معظمها عند معظم الناس .
و"أبوعبد الله " هو المثال الناطق لتيار هام فى العمل الإسلامى المعاصر هو ما أصطلح على تسميته " السلفية الجهادية" .. والخلاف مع أبوعبد الله وتيار السلفية لا صلة له بتلك الصفات العالية التى لا نزاع فيها ، ولكن الخلاف كله ينصب على القدرة فى ترتيب الأولويات الفقهية والسياسية والحركية .
التناول الإسلامى الحديث لموضوع الفقه يحتوى على الكثير من الإشكاليات . ويتجلى ذلك بشكل أوضح لدى السلفية ، خاصة عندما توفرت لها فرصة التحدث من موقع القوة سواء فى السلطة ـ عند السلفية الملكية السعودية ـ أو موقع قوة السلاح كما فى السلفية الجهادية التى تجلت فى حياتنا المعاصرة منذ الحرب الأفغانية السوفيتية .
فى أفغانستان رغم الخلاف الفقهى الشديد بين عوام الأحناف وبين إخواننا المجاهدين السلفين ، إشترك الطرفان فى الخلط بين الدين وبين الفقه ، واعتبار أنهما شيئ واحد. وبالتالى أى خلاف فى رأى فقهى هو خلاف فى صلب الدين يستدعى فى الغالب الإحتكام إلى السلاح الذى لا بد أن تسبقه إتهامات التكفير أو الشرك .
ـ ومعلوم أن المذهب الفقهى ماهو إلا طريقة إرتضاها العالم المجتهد لإستخلاص الأحكام من النصوص الشرعية الثابتة لديه .
فيكون الدين فى هذه الحالة مثل نهر من الماء العذب الذى يذهب إليه العالم المجتهد صاحب المذهب كى يغترف منه الأحكام بواسطة وعاء صنعه بنفسه .
إذن تختلف المذاهب كما تختلف أشكال وأحجام الأوعية التى نغترف بها الماء.
كما أن نقاء الماء فى الوعاء يتأثر بمكان ملء الوعاء، وإبتعاد مكان الإغتراف عن الشاطئ وما يحتوى من أعشاب أو أتربه .
وما نأخذه حاليا على السلفية والمذاهب السنيه الآخرى هو توقف الإجتهاد لقرون طويلة، بينما المسلمون فى أشد الحاجة حاليا لإعادة فتح باب الإجتهاد لمن تتوفر فيه الشروط الشرعية .
ـ ولا أظن أن ذلك ممكننا الآن بعد عشرات السنين من الخراب الحادث فى المعاهد الدينية والتسلط السياسى على العلماء ومصادرتهم لحساب السلطة ولحساب أصحاب المليارات والترليونات من الدولارات .
سبب الحاجة الماسة إلى الإجتهاد هو أن النهر نفسه قد لوثه عمدا أعداء الإسلام وصبوا نفايات سامة فى مجراه. لذا لايمكن الآن مجرد الإغتراف والشرب بمجرد إناء أنيق وجميل. إذ لابد من عمليات تكرير وتصفية ومعالجة كيماوية.
وفى الماضى كما فى الحاضر من غير الممكن إجبار كل الناس على إناء فقهى واحد (مذهب) فذلك يعنى إستخدام القوة ووقوع الفتنة. فلكل منطقة ظروفها وثقافتها وبالتالى فقهها المفضل. لذا رفض الإمام مالك رضى الله عنه أن يستخدم الخليفة العباسى القوة فى فرض الفقه المالكى على كل المسلمين فى إمبراطوريتة مترامية الأطراف . والإمام الشافعى رضى الله عنه عندما استقر به المقام فى مصر ضرب صفحا عن مؤلفاته الفقهية السابقة وشرع فى كتابة فقه جديد لشعب فريد فى خصائصة وثقافته وظروف حياته .
وهذا يدل على أن المذهب ، ومهما كانت عظمة المجتهد ، هو شيئ مؤقت فى الزمان ومحدود بالمكان . وأى تغير فى هذين العنصرين يستدعى إجتهادا جديدا وإلا تجمد الفقه كما هو حادث معنا الآن . وبما أن الحياة لا تتجمد بل تتطور بسرعة غير عادية خاصة فى هذا العصر ، فإن الناس تجد نفسها أمام إختيارين لا ثالث لهما :
1 ـ إما اللجوء إلى غير مؤهلين لأخذ الفتوى منهم . لأن معاهدنا الدينية لم تعد توفر الزاد العلمى الكافى لظهور الفقيه المجتهد ، ولا النظام السياسى يسمح بظهور تلك النوعية من العلماء بل يراهم خطرا وجوديا عليه .
2 ـ الثانى هو أن يفتى كل إنسان نفسه ويتصرف وفقا للضمير أو الهوى أو المصلحة العامة أو كيفما أتفق . والخطير هنا أن يحدث ذلك فى حركة جهادية أو فى "مشروع دولة إسلامية " كما حدث تحت أعيننا فى أفغانستان، وأظنه مازال يحدث مع حركاتنا الجهادية المعاصرة سلفية وغير سلفية .
ونظرا لأهمية وخطورة هذه النقطة . نضرب عليها أمثلة عملية :
تعرض الجهاد فى أفغانستان لعدة " مطبات " فقهية خطيرة ، أدت إلى سيطرة " الفقه الذاتى " فى الكثير من المواقف الحرجة , والفقه الذاتى هو ما تحدثنا عن أنه يتم وفقا للضمير أو الهوى أو المصلحة العامة المرسلة .
وبعد قيام " الإمارة الإسلامية " التى رفعت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية ، خذلتها الإجتهادات الفقهية ، فورثت العديد من " المطبات الفقهية " من المرحلة السابقة فى وقت كان القتال دائرا مع المعارضة المسلحة ، أو "المخالفين" طبقا لتعريف الإمارة لهم
قبل الإحتلال السوفيتى حدث خلاف شديد فى مسألة "ولى الأمر" والخروج عليه . وكان الملك ظاهر شاه ثم إبن عمه "دواد" قد سمحا بنشاط غير مسبوق للسوفييت والأحزاب الشيوعية. فحاول الشباب المسلم الثورة والخروج على الحاكم، ولكن الفقه السائد كبل حركتهم، وحجب التعاون الشعبى معهم. والذى إستمر منهم فى مقاومة النظام وجد نفسه وحيدا. فقتل او إستسلم أو هرب إلى خارج البلاد.
ـ عندما إستولى الشيوعيين على الحكم منفردين بدأوا مذابحهم ومطارداتهم لمظاهر التدين، أعلن العلماء الجهاد. ولكن إختلفوا فيمن يكون "ولى الأمر" فى هذا الجهاد وما هى مواصفاته. ومن بالتحديد هو الأولى بالقيادة فى هذه الظروف.
إنتهت الخلافات بأن تولت حكومة باكستان " تعيين" قادة الجهاد طبقا لمصالحها وظروفها. وعندما إقتحمت أمريكا الساحة صارت المواصفات الأمريكية هى السائدة فى "تعيين" قادة الجهاد(!!). واستخدمت فى ذلك حكومات المملكة العربية السعودية و باكستان ثم قيادات بارزة للعمل الإسلامى الشعبى بشقيه (السلفى)(والإخوانى).
والذى ينظر إلى النظام الذى الحالى الذى أقامه الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان يجد أهم تلك القيادات الجهادية القديمة مازالت تعمل بنشاط فى خدمة الإحتلال وهى التى كانت ترفع السلاح فى وجه الإمارة الإسلامية(!!).
ـ " الغنائم" كانت مأساة حقيقية، ولم تؤد دورها فى دعم الجهاد وإغناء المجاهدين عن الخارج. فذهبت غالبا إلى غير مستحقيها وتسببت فى نشوب معارك وعداوات.
لتفادى تلك السلبيات عمدت حركة طالبان فى عهد الإمارة الإسلامية إلى إلغاء توزيع الغنائم وتحويلها بالكامل إلى"بيت المال". لم يناسب ذلك القبائل، فتقاعس الكثير منهم عن نصرة الإمارة وتوقف عن المساهمة فى قتال أعدائها.
ـ مفهوم "الولاء والبراء" تعرض لإمتحان عسير فى أوساط القبائل التى توزعت بين سبعة أحزاب جهادية. جزء من تلك القبائل إنضم إلى الحكومة الشيوعية وعمل كميليشيات مسلحة معهم. وحتى فى مجموعات المجاهدين لم يكن الولاء المزدوج بين الحكومة الشيوعية والمجاهدين مسألة غريبة على الساحة.
نفس مفهوم الولاء والبراء تعرض لمحنة أخرى عند التعامل مع الجهات الخارجية غير إسلامية. حيث كانت القاعدة هى قبول المساعدات مهما كان نوعها ومن أى جهة جاءت، وعاملوها كغنائم حرب متاحة. ولم يكن الأمر كذلك فدول الغرب لم تكن بهذه البلاهة. وغالبا ما أدت تلك المساعدات إلى مصائب وإنحرافات حقيقية. وينطبق هذا على معظم المعونات "الإسلامية" التى جاءت من حكومات موالية للدول الغربية مثل السعودية وباكستان وغيرها.
ينسحب ذلك على حرية الجبهات فى إقامة علاقات وصداقات مع ممولين خاصين لها من خارج البلاد. وكان هؤلاء يصولون ويجولون بين المجاهدين للإطلاع على أحوال الجبهات " ودراسة إحتياجاتها للعمل على توفيرها". وكذلك التعامل مع المؤسسات "الخيرية" الدولية العاملة فى الطب والتعليم. إلى آخر قائمة طويلة من الكوارث. العديد منها ورثته "الإمارة الإسلامية" وظل سارى المفعول.
الإمارة الإسلامية واجهت تحديات فقهية خاصة بالحكم وتأسيس الدولة. ولم يكن لديها فقهاء مؤهلون للإجتهاد فى تلك المسائل، فاعتمدت على فقهاء باكستانيين ممن أحسنت بهم الظن وهذا التقدير لم يكن صائبا فى أغلبه.
أولا: من جهة أنهم غرباء عن أرض أفغانستان وغير مطلعين على تفاصيل واقع الحياة بها. فكان أن ورط هؤلاء الفقهاء الإمارة فى مشاكل كانت فى غنى عنها. واستدرجوها إلى معارك حول فرعيات لا أصول لها. فزادت من عدد الساخطين وتقوت بذلك المعارضة المسلحة. وزايد الفقهاء المستوردون فى مسائل كان فيها سعة واتخذوا منحى متشددا بلا مبرر. مثل ضرب الرجال إذا قصروا اللحى أو لبسوا ملابس إفرنجية، أو كانت زوجاتهم إلى جانبهم فى الطريق على أى حال من المخالفات البسيطة فى المظهر.. وكان لذلك أثر سئ للغاية فى مجتمع يفخر فيه الرجل بقوة شخصيته أمام زوجته. وبهذا تحول عديدون إلى مقاتلين حتى الموت ضد الإمارة. ثم وصلت التأثيرات السعودية التى تجلت فى أشياء مثل منع الناس بالقوة من الإحتفال بعيد النيروز( على إعتبار أنه عيد غير إسلامى) ناهيك بالطبع عن منع الشيعة من الجهر بإحتفالاتهم الدينية وعلى رأسها مآتم عاشوراء.
وقد شاهدنا فى كابول /فى أواخر أيام طالبان/ بعض السعوديين الغلاظ الشداد "يقترفون" الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى شوارع كابول ليلا. وكانوا من "اللطف" بدرجة ظننت معها أنهم فرقة إعدام جاءت للبحث عن فارين.
وكان علماء باكستان يجهزون مكتشفاتهم العجائبية ويضعونها فى رسالة على صورة فتوى. وعبر مكتب لهم فى كابول يرسلون تلك الفتاوى إلى دار الإمارة فى قندهار،الذى يصبح ملزما بوضعها فى صيغة قانون يوقع عليه الأمير، ويصبح القانون واجب النفاذ فورا. تلك الآلية كانت بكل بساطة: كارثية!!.
لأنها مقطوعة الصلة تماما عن إحتياجات الناس وظروف المجتمع. مرتبطة فقط بكتب مجهولة الأسماء، وكل مؤهلاتها تكمن فى أغلفتها الممزقة ورائحة أوراقها العتيقة. وهذه هى كل قداستها!!.
بفضل هؤلاء "الفقهاء" ما لبثت الإمارة أن ظهرت بمظهر الحكم المتخلف. ولولا خدماتها الكبيرة فى حفظ أمن الناس بشكل مدهش لخسرت قاعدتها الشعبية بسرعة.
مازلنا نتكلم عن إرتباط الفقه بالواقع. وإرتباط الفقيه بحقيقة حياة الناس، وخطورة إنفصال الفقيه عن الحياة، وغرقة فى بطون الكتب. إن الناتج من عمله الإنعزالى هذا لايسمى فقها ، بل هو تراث فقهى أعيد إكتشافه، يصلح للعبرة والتأمل ولكن نادرا ما يصلح كقوة قائدة موجهة ومحركة للواقع.
سمعنا عن عالم دين شهير فى قناة فضائية نفطية، يعكف على تصنيف موسوعة فقهية عن الجهاد، بهدف تجنيب تلك الفريضة، التى بدأت على خفر وإستحياء أن تكون حاضرة، مغالاة البعض وتطرفهم أوجهلهم الفقهى.
طبيعى أن الشيخ سوف يغوص فى أعماق بحار الكتب القديمة حتى يعود لنا بالجواهر الفريدة. ونقول لسيدنا الشيخ أن ذلك لايكفى أبدا. ولينظر فضيلته إلى الطالب فى كلية الطب، فيجده يدرس نظريا وعمليا فى كلية الطب لمدة ست سنوات، ثم يعمل طبيبا تحت التمرين لمدة عام آخر حتى يحصل على إجازة كى يمارس "كطبيب مبتدئ".
هذا مع العلم أن علم الفقه أهم وأخطر على حياة الأمة من علم الطب. لذا فيجب على من يكتب عن فرائض الإسلام أن يعايشها عمليا. فالعبادات لايكتمل فهم حكمتها وأسرارها بدون مكابدتها عمليا إضافة إلى البحث النظرى.
وهكذا الجهاد، فكيف يكتب عن فقه الجهاد من لم يكابد ظروفه ويعاين تعقيداته ومشاقة. وكيف تكون الكتب القديمة، على أهميتها، كافية للإجابه على تحديات لم تظهر سوى فى أوقات متأخرة جدا ؟.
أقول أن ذلك مستحيل. فقد ترفع السادة العلماء عن الممارسة العملية للجهاد. وتركوا الشباب يتخبط فيها وحيدا. لذا فأى كتابة (عن بعد) موجهة للشباب المجاهد حول موضوع الجهاد، لن تكون مجدية. اللهم إلا إذا كان المقصود منها تحقيق أهداف سياسية للحاكم المحلى أو الحاكم الدولى بهدف إحباط وإفشال الجهاد بشكل أو آخر.
ليس هذا فقط بل أن السادة العلماء مسئولين عما حدث ويحدث فى مسيرة الجهاد التى مازالت تنطلق بلا توجيه فقهى من علماء يتقدمون الصفوف فى القتال وفى الإفتاء معا. خاصة فى وقت كهذا تكون الأمة فيه مهددة إما بالإقتلاع أو بالإذابة الدينية والعقائدية والثقافية.
وبدلا من إعتراف السادة العلماء بخطئهم هذا، وتقصيرهم فى أداء رسالتهم الدينية، نراهم يتصدرون صفوف المنددين بالشباب المجاهد، واقفين فى صدارة صفوف فراعنة الغرب والشرق وجبابرة العرب الأقزام، يكيلون السباب والتشهير، ناعتين خير شباب الأمة بصفات الإرهاب والتطرف.
أوليس ذلك منهم "إرهابا" فقهيا، و "تطرفا" فى التخلى عن مهمة دينية مقدسة ؟؟.
أوليس فى ذلك خيانه لله ورسوله والمؤمنين ؟؟
أفيدونا يرحمكم الله.. كيف تفهمون عقيدة التوحيد.. وعقيدة الولاء والبراء ؟؟.
بل لمن تتوجهون فى عبادتكم فى حقيقة الأمر.. للدولار .. أم لله الواحد القهار ؟؟.
يتباهى إخواننا السلفيون بعقيدة يتعالون بها على باقى "الفرق" الإسلامية. خاصة فيما يتعلق بالتوحيد وفهمهم الخاص لها. ويضعون ذلك الفهم فى مقابلة الشرك الذى لايكاد ينجو منه مسلم فى نظرهم. مع التركيز بشكل مبالغ فيه على ما أسموه "شرك القبور"، وذلك عنادا مع الصوفية والشيعة. ورغم أن هؤلاء لديهم فى معظم الأحوال نصوصا يدفعون بها عن أنفسهم . وبما أن كل طرف لديه من النصوص الصحيحة عن طريقة، فكان من المفروض أن يكون ذلك كافيا لوقف الجدال، أو المهاترات، ويبقى كل طرف على قناعاته العلمية، مع إبداء الإحترام أو على الأقل التناسى لما يعتقد الآخر ويمارس. إلا أننا نشاهد بعض السلفيين يصرون على إبقاء تلك الجماهير الغفيرة خارج أسوار الإسلام بل ويستخدمون ضدهم القوة ، عندما تسنح الفرصة، كنوع من الجهاد ضد المشركين والكفار.













