Yahoo!

جلال الدين حقاني .. أسطورة من جهاد أفغانستان (2)

مارس 22nd, 2010 كتبها حداد نشر في , جلال الدين حقانى, مجلة الصمود ::طالبان :: افغانستان, مقالات

 

جلال  الدين حقاني .. أسطورة من جهاد أفغانستان (2)
تحطيم أسطورة الجيش الأحمر في باكتيا 
 
جلال  الدين �قاني .. أسطورة من جهاد أفغانستان (2)من مصطفى حامد (ابو الوليد المصرى)  
mafa.maktoobblog.com
المصدر : موقع مجلة إمارة أفغانستان الإسلامية ( الصمــــــود )
www.alsomod.org
 
مقدمة:
}} كان لي الشرف بأن أتعرف على عدد من جيل العمالقة الذين فجروا الجهاد في بدايته الأسطورية الأولى في أفغانستان.
ورد من أسماء هؤلاء  في الحلقة الأولى اسم الشيخ "محمود لاله" رحمه الله، وكنت قد قابلته في لقاء قصير في مركز "ساران" القريب من جارديز، وقد ذكرت قصة ذلك اللقاء في كتابي الأول (15 طلقة في سبيل الله).
وقد اعتمدت في رواياتي لأحداث الانطلاقة الأولى للجهاد على روايات عديدة بعضها كان من مولوي جلال الدين حقاني إضافة إلى مجاهدين كثيرين، وأخص بالذكر الرائد جولزاراك الذي توطدت علاقتي به عام 1983 في معركة الأورجون وما بعدها.
 خاص،  فقد كانت أحداثا غير  عادية في وقائعها  وشخصياتهاوهو شخصية عسكرية ممتازة إضافة إلى كونه أديب ومؤرخ وشاعر، وكان مهتما بشكل خاص بجمع وتأريخ أحداث الجهاد في ولايته "باكتيا" وأحداث العام الأول بشكل .
كان لدى جولزاراك مشروعا لطبع كتاب من جزأين حول بدايات الجهاد وربما يكون قد أصدر جزءا واحدا، ولا أدرى ما حدث لمشاريعه الأخرى التاريخية منها والأدبية، ولأي مدى ساعدته الأحداث أو عرقلته في طموحاته الكبيرة تلك، ولكن المؤكد هو أن الأمريكيين وأعوانهم من غربيين (وآخرون) قد أنفقوا أموالا طائلة من أجل تجميع وثائق تلك المرحلة، المكتوب منها والمصور، وأخفوه في غياهب المجهول حتى يفقد المسلمون تاريخهم وذاكرتهم فلا يعرفون عن ذلك التاريخ إلا من مخزون الغرب ووجهات نظره المسممة.
في  هذه الحلقة واجهت  صعوبة كبيرة في تجميع تفاصيل الكمين الأول في وادي زورمات الذي وجه ضربة قاسية جدا للسوفييت في باكتيا وأسقط أسطورتهم المخيفة في أعين الناس.
لقد اعتمدت على روايات مصدرها الرائد جولزراك وآخرين من قدامى المجاهدين في المنطقة، ولكن أعترف أنني لم أبذل الجهد الكافي لاستقصاء ذلك الحدث التاريخي الهام، ولذلك التقصير أعذار عدة منها الانشغال بأشياء أخرى وعدم تفرغي لذلك العمل، إضافة إلى قلة الإمكانات المتاحة لي.
أشعر  بالأسف لكل ذلك، ولكنه جهد المقل، الذي هو خير من لا شيء }} ـ مصطفي - 
خطة للدفاع عن بكتيا
المجاهدون والسوفييت كلاهما يدرك أن جائزة باكتيا الكبرى هو سهل خوست على الحدود مع باكستان  والذي يوفر مزايا إستراتيجية وسياسية عديدة بالنسبة للتعامل مع باكستان، سواء إذا قرر السوفييت شن هجوم عسكري عليها وبالنسبة إلى السيطرة على طرق إمدادات المجاهدين التي يمر معظمها من خلال باكتيا عموما، وخوست واحدة من أهم معابرها، ومدينة خوست وسط ذلك الوادي تكاد أن تكون محاصرة منذ وقت مبكر من نشوب الجهاد ضد نظام كابول، لولا الجسر الجوى الذي يربطها مع العاصمة.
والطريق بين خوست وعاصمة الولاية (جرديز) وطوله حوالي 100 كيلومتر قد تم قطعه بواسطة كمائن جلال الدين ومساندة قبائل باكتيا خاصة قبيلة زدران التي يمر الطريق في معظمه عبر أراضيها، وقد تكبد الجيش الحكومي خسائر فادحة فوق ذلك الطريق في عهد الرئيس طراقي ثم من بعده حفيظ الله أمين رغم الدعم السوفييتي الكثيف بالخبراء والمستشارين، وساعد على ذلك الطبيعة الجبلية للمنطقة التي تساعد على ترتيب كمائن غاية الخطورة، أدت إلى عجز الجيش نهائيا عن استخدام الطريق مكتفيا بإمداد خوست عن طريق الجو متحملا في ذلك نفقات مالية هائلة.
كان منطقيا أن يكون فك الحصار البرى المضروب  حول خوست أولوية لدى  الجيش السوفييتي عند قدومه إلى باكتيا، أي أن المعركة الحاسمة ستكون على الطريق المار عبر مناطق قبيلة "زدران" .
ولكن "حقاني كان له رأى آخر وسنرى أنه لم ينتظر حتى تدور المعركة الرئيسية الأولى مع السوفييت فوق أراضيه بل خاض معركة رادعة في منطقة أخرى جعلت السوفييت يدركون أن معركة فوق طريق زدران سوف تكون انتحارا مؤكدا، خاصة إذا جاءت في بداية الغزو، فقد تؤدى إلى إحباط مبكر لمعنويات الجيش الأحمر الذي لم يتعرف بعد على الأرض وطبيعة الحرب الدائرة فوقها.
في  إطار تجهيزاتهم ومشاوراتهم حول المواجهة الأولى القادمة مع الجيش  الأحمر كان إجماع  المجاهدين على  أن السوفييت سوف يرسلون تعزيزات كبيرة  إلى جرديز عاصمة  باكتيا ومنها ينطلقون  صوب مدينة خوست عبر طريق " زدران"،  وهناك سوف يقع  الصدام الكبير.
 في اجتماعه مع القادة الميدانيين ركز حقاني على أهمية المعركة الأولى وتأثيرها على المعنويات سواء للمجاهدين أو لأعدائهم. وذكرهم بدروس الصدامات العسكرية الأولى مع جيش النظام الحاكم، وكيف أن المجاهدين عندما استولوا على أول موقع حكومي تشجع الناس وتجرؤا على مهاجمة الجيش وتدمير مواقعه وقوافله، فقد سقطت هيبة الجيش والنظام وزاد أمل الناس في الانتصار عليهم. وقال حقاني ( إننا إذا هزمنا ـ لا قدر الله ـ فلن يجرؤ أحد بعد ذلك على أن يرفع السلاح في وجه الجيش الأحمر).
 ثم وجه سؤالا  إلى الرائد جولزراك:
 ـ خبرني يا جولزاراك كيف يمكن أن يتصرف الروس في حربهم معنا ؟؟.
أخرج  جولزاراك من جيبه خريطة عسكرية ونشرها أمام جلال الدين والقادة الآخرين وتحلق الرجال في دائرة يطالعون إشارات الرائد على خطوط خريطته الملونة، وآذانهم وعقولهم معلقة على كل كلمة تدور في المجلس، وأخذ الرائد يشرح بلهجته الهادئة وقد اكتسب وجهه صرامة معتادة في المواقف المصيرية كهذه، وأخذ ينقل عينيه الزرقاء الحادة مابين الخريطة وبين وجه حقاني والآخرين.
أخذ يشرح وكأنما يقرأ من كتاب قصة نثرية حفظها عن ظهر قلب، وكأنه عاد مرة أخرى كما كان قبلا مدرسا في أكاديمية كابل العسكرية:
 ـ كما نتوقع  جميعا فإن الروس  سيدفعون قوة برية  ضخمة إلى جرديز  ثم يحاولون فتح  الطريق إلى خوست  ، وهذا شيء مؤكد، أما الشيء الآخر فهو الغطاء الجوى الكثيف الذي سيحمي القوة المتقدمة ويمهد لها الطريق ويتدخل عند أي مقاومة تعترضها.
سيقصف الطيران بعنف مواقعنا  بين جرديز وسهل زورمات لتأمين قواتهم القادمة من غزني إلى جرديز التي ستبقى بها القوة يومين أو ثلاثة قبل أن تنطلق صوب خوست، في تلك المدة يكون الطيران قد أدى مهامه في استطلاع المنطقة وخطوط تقدم القوات وضرب المواقع المشتبه بها وإذا اكتشف مقر قيادتنا هذا فسوف يقصفه وقد يتدخل ضده بقوات خاصة محمولة جوا، والقرى القريبة من خط تحرك قواتهم سوف تقصف حتى يرغموا الناس على الفرار حتى لا يختبئ بينهم مجاهدون.
القوات  المتقدمة صوب خوست ستكون تحت غطاء من طائرات الهيلوكبتر، تلك الطائرات قد تنثر ألغاما على الطرق الفرعية التي قد يستخدمها رجالنا لعرقلة حركتنا، وأيضا للتأثير على معنويات السكان عندما يصابون هم أيضا، وللتأثير أكثر على معنوياتنا فإنهم قد يحاولون تدبير عمليات اغتيال ضد مستويات قياداتنا الكبيرة أو المتوسطة.
وقد يلجؤون إلى استخدام الغازات السامة ضدنا، وهذه الغازات يمكننا بسهولة تفادى تأثيرها علينا بإتباع إرشادات قليلة لأن مناطقنا جبلية وتعوق حركة الغازات مع الريح .
ولكن  الجهل بهذا السلاح قد يحدث تأثيرا معنويا سيئا بين رجالنا.
استمر جولزراك في شرح تفاصيل دقيقة يتوقع حدوثها حتى لا يفاجأ قادة الفصائل بتصرف غير متوقع من العدو قد يؤدى إلى إرباكهم.
وما أن انتهى من شرحه حتى بادره جلال الدين بسؤال آخر قائلا:
 ـ أخبرني يا جولزاراك كيف يتوقع الروس أن تكون مواجهتنا لهم؟؟.
 رد لرائد على  الفور:
 ـ لن يتوقع الروس  تغييرا كبيرا في  أسلوب قتال المجاهدين، صحيح أن بعض الأسلحة الثقيلة قد وقعت في أيدينا من الجيش، ولكن عدم توفر ذخائر كافية لها يحد من فعاليتها في المواجهات الطويلة، هذا إلى جانب قدرة طائرات الهيلوكبتر على تحديد مصادر النيران الثقيلة وتدميرها، فإذا استخدمنا مدافعنا في التاسعة صباحا فعند الساعة العاشرة سنكون قد خسرناها جميعا.
هم  يتوقعون منا أن نضع كمائن صغيرة  حول جرديز في الطريق القادم من زورمات والطريق  الذاهب إلى خوست، كمائن صغيرة مزودة بقواذف صاروخية ضد الدبابات وألغام تبث على الطريق وأسلحة خفيفة، هم يعرفون شجاعة المجاهدين في المواجهة كما يعلمون محدودية ذخائرنا وانكشافنا أمام هجمات الطيران.
 سأله حقاني : حسنا يا جولزاراك هل يمكننا أن نفاجئهم بشيء جديد؟.
 فأجابه الرائد  بسرعة:
 ـ بالطبع نستطيع، يمكننا مثلا ترتيب هجمات ليلية مركزة، ويمكننا تجميع رجالنا من الكمائن والضرب بهم في نقطة منعزلة للعدو، ستكون خسائرهم كبيرة ونحن أقدر منهم على ذلك النوع من الحروب.
أجاب  حقاني:
ـ هذا صحيح يا جولزاراك..هل يوافق باقي الإخوة على تصورات جولزاراك؟؟.
أبدى  الجميع موافقتهم على  ما جاء في تقرير  الرائد، سوى بعض  الملاحظات أو الاستفسارات الهامشية، فواصل جلال الدين قائلا:
ـ إن ما أريده هو أن يستمر الروس في الاعتقاد بأننا على نفس طريقتنا القديمة، ولتأكيد ذلك فسوف نقوم خلال الأسابيع القادمة وإلى أن يبدأ الجليد في الذوبان بشن غارات على حاميات خوست وجرديز، وستظهر لنا كمائن على طول الطرق التي ذكرها جولزراك. حتى يظن الروس أن كل شيء يسير على النمط الذي ألفوه منا طول العشرين شهرا الماضية.
نهض جلال الدين قائلا:
ـ توكلنا على الله، إن ينصركم الله فلا غالب لكم، علينا أن نبدأ عملنا من الآن، فليتوجه قادة الفصائل إلى مناطقهم لوضع الترتيبات اللازمة.
بدأ الجمع ينفض، وأخذ جلال الدين بلجام دابته بيسراه وراح يعدل بيده اليمنى وضع بندقيته العتيقة على كتفه، فاقترب منه جولزراك وهمس في أذنه قائلا:
 ـ مولوى صاحب.. أنت لم تأمر بتكثيف الكمائن على طريق خوست!!.
فأجابه  باقتضاب:
لن  نكثف الكمائن فذلك ليس ضروريا.
بدت الدهشة على وجه الضابط، وواصل التساؤل بلهجته المهذبة:
ـ أخشى أن يكون ذلك  ضروريا لصد الهجوم على خوست.
صعد جلال الدين على  ظهر دابته ونظر في وجه الضابط الشاب، وقال وهو يحث دابته على المسير:
ـ ليس هذا ضروريا للدفاع عن خوست يا جولزاراك.. لأننا لن ندعهم يصلون إلى جرديز نفسها.
اتسعت عينا جولزراك من الدهشة ووقف ينظر بذهول إلى جلال الدين وهو يمضى بدابته في اتجاه جرديز.
ممنوع قتال الهيلوكبتر
ألصق  خليل /شقيق حقاني الأصغر/ جسده إلى الصخور بجوار أخيه الأكبر إبراهيم، بينما تطايرت طلقات الهيلوكبتر قريبا من قدميه، تصاعد الغبار وتناثرت فروع الأشجار الصغيرة فوق جسد الأخوين، وما أن ابتعدت الطائرة قليلا حتى أنتفض خليل غاضبا ووقف يصوب بندقيته الروسية في اتجاه الطائرة ويطلق طلقة قصيرة وهو يلعن ويصيح :
 ـ عليك اللعنة  يا خنزير!!.
جر  إبراهيم أخاه الأصغر خليل إلى أسفل الصخرة وهو يصيح فيه:
ـ  هل أنت مجنون !! سيقتلك حتما.. طلقاتك لن تؤثر فيه.
صرخ خليل بانفعال أشد وقد أندفع الدم في وجهه الأبيض، وقد علت الأتربة شعيرات قليلة نبتت في أجزاء من وجنتيه، وملابسه كلها ذهب لونها الأصلي:
ـ أخبر جلال الدين أنني سأضع الدوشيكا على رأس الجبل وأطلق النار على هؤلاء الكلاب.. لماذا يمنعنا من قتال الهيلوكبتر؟؟.. هل أصبح جلال الدين يخاف من الروس ؟؟.
أجاب  إبراهيم بمزيج  من الغضب والاستخفاف بأخيه الأصغر :
ـ أنت جننت بلا شك… جلال الدين يخطط لمعركة كبرى، فماذا تعرف أنت عن فنون القتال؟  أنت طفل صغير ولو  أنني تزوجت لأنجبت طفلا في مثل عمرك.
صرخ خليل بأعلى صوته حتى  كاد يحجب صوت الانفجارات لقريبة:
ـ وأنت أيضا صغير .. كم عمرك؟؟ عشرون واحد وعشرون ؟ جلال الدين  أكبر منك بخمسة  عشر سنة، أما إسماعيل فأكبر منك بأكثر من
قطع صياح الأخوين الصوت  العريض الهادئ للمجاهد "عبد  الباري" وهو عريف سابق في الجيش، لقد جذبه نحوهما ذلك الصراخ المدوي المتبادل، قال بصوته المميز:
ـ ما بالكما هل أصيب أحد  منكما؟؟.
ضحك إبراهيم وهو يشير إلى شقيقه الأصغر:
ـ لاشيء غير أن هذا الغلام فقد عقله ويريد أن يخالف أوامر جلال الدين ويضع الدوشيكا على رأس الجبل ويضرب على الهيلوكبتر.

المزيد


جلال الدين حقانى أسطورة فى تاريخ جهاد أفغانستان

فبراير 20th, 2010 كتبها حواديت نشر في , جلال الدين حقانى, مجلة الصمود ::طالبان :: افغانستان, مقالات

 

جلال الدين حقانى
أسطورة فى تاريخ جهاد أفغانستان
(1)

 

جلال الدين �قانى  أسطورة فى تاريخ جهاد أفغانستان

 

من مصطفى حامد (ابو الوليد المصرى)  
المصدر : موقع مجلة إمارة أفغانستان الإسلامية ( الصمــــــود ) عدد 45 
www.alsomod.org
 
برعاية موقع( أدب المطاريد ):
 http://www.mafa.asia
 
 
مقدمة:
 ـــ   { يعتبر مولوى جلال الدين حقانى من أبرز معالم مرحلة الجهاد ضد الحكم الشيوعى والغزو السوفييتى معا ( 1978 ـ 1992) . وينتمى مولوى حقانى إلى قبيلة زدران أحد القبائل الرئيسئة فى ولاية باكتيا المحازية لباكستان..
 وكما هو معلوم فقد تلقى تعليمه فى المدارس الدينية فى أفغانستان ، شأن معظم قادة الجهاد فى مراحله الماضية والحاضرة، ثم أكمل تعليمه فى مدرسة الحقانية فى مدينة (أكورة ختك) فى الإقليم الحدودى القبلى من باكستان . ثم عمل مدرسا فى نفس المدرسة لمدة عام قبل أن ينخرط وبشكل دائم فى العمل الجهادى فى ولايات باكتيا وباكتيكا. وما زال مولوى حقانى منغمسا بفعالية كبيرة فى القتال ضد الأمريكيين وحلفائهم فى أفغانستان .
 
وهذه هى الحلقة الأولى حول ذلك العلم الجهادى الذى يمثل تاريخه أسطورة جهادية قل نظيرها.
وقد إعتمدت فى هذه الحلقة على أسلوب القصص الواقعى، معتمدا على روايات أقرب أصدقائه وتلامذته وإخوانه فى الجهاد . وقد كنت أجمع مادة عن بدايات الجهاد فى أفغانستان فى مرحلة ما بعد الإنقلاب الشيوعى (إبريل     
 1978) وفرغت فى بداية عام 1983 من إعداد كتاب صغير لم ينشر حتى الآن، وقد وضعت له عدة عناوين إنتهت إلى عنوان(أطياف العام الأول). محور الكتاب كان بدايات الجهاد فى تلك المرحلة التى تعتبر من أغرب المراحل فى تاريخ أفغانستان. ولكن للأسف لم يبذل إلا القليل جدا من المجهود لتوثيقها. وهكذا يندثر تاريخنا الإسلامى المجيد تاركين مهمة كتابته والتعليق عليه لأعدائنا !! وبهذا تفقد أمتنا تاريخها وتعيش بلا ذاكرة، وتتربى أجيالنا على إفرازات سامة من ثقافة الأعداء.
وهذه الحلقة هى جزء من ذلك الكتاب.
 لقد تعرفت على مولوى حقانى فى يونية عام 1979 قبل الغزو السوفيتى لأفغانستان بعدة أشهر. ثم رافقته بعد ذلك طوال مدة مشاركتى الضعيفة فى جهاد أفغانستان حتى فتح جرديز فى أبريل1992 ثم فتح كابل بعدها بأيام قليلة. وتابعت العديد من إنجازات ذلك المجاهد العملاق، وأدركت شيئا من نواحى العظمة فى شخصيته كنموذج لعلماء أفغانسان العظماء وطلاب العلم المجاهدين الطاهرين ، الذين يقفون الآن سدا منيعا أمام أكبرهجمة صليبية على الأمة الإسلامية على نطاق العالم أجمع ، وعلى حصنه الأشد مناعة .. أفغانستان}ـــ
                                  
 
 
                               أطياف العام الأول
 
فى صبيحة اليوم الأول لحكم "طراقى" وبعد صلاة الفجر إجتمع عدد من الرجال فى مسجد
"حى المهاجرين" فى مدينة ميرانشاة الحدودية من باكستان. وكانوا يتحدثون بجدية بالغة حول أحداث الأمس فى كابل. وجميعهم من المهاجرين الذين فروا من بطش نظام "داود" الذى أطاح بالملك وأعلن الجمهورية المدعومة بأحزاب ماركسية. وكان هؤلاء من ضمن قلة عارضوا ذلك النظام فى أنحاء البلد ولكن الجمهور الأعظم خذلهم واختار مهادنة النظام ، لعل وعسى .
 
حاول هؤلاء الرجال إعلان الجهاد على نظام " داود" ولكنهم لم يتلقوا الدعم الشعبى الكافى. وقد أثبتت الأيام صدق نظرتهم ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن دفع المسلمون أثمانا باهظة جدا نتيجة لتقاعسهم عن أداء الواجب فى وقته المناسب.
 
فى مسجد المهاجرين إستقر رأى هؤلاء النفر على ضرورة الشروع من جديد فى الجهاد ضد النظام الشيوعى بعد أن أوضحت الأحداث وجهه البشع .
 
إتخذوا على الفور قرارا بالسفر إلى مدينة بيشاور حيث تعيش بعض القيادات الإسلامية التى فرت فى السابق من ظلم حكومات كابل المتوالية التى بطشت بالإسلاميين، وقرروا أن يبحثوا مع هؤلاء القادة إعلان الجهاد فورا ضد الحكومة الكافرة.
 
فى بيشاور وعلى مدار ساعات طويلة فى الليل والنهار دار النقاش وانقسمت الآراء.
فريق المجاهدين الأوائل من عهد "داود" كان يرى أن يتوجه العلماء فورا إلى داخل أفغانستان ويتصل كل منهم بقومه وأهالى منطقته ويحرضهم على الجهاد ويقودهم فى غماره.
 
فريق آخر إعترض على هذا الرأى وكانت حجتهم أن مواجهة القوات الحكومية الضخمة ذات الأسلحة والمعدات الحديثة، يعتبر نوعا من الإنتحار وإلقاء النفس إلى التهلكة وهذا لايجوز شرعا، والأولى هو إعداد قوة كبيرة ومجهزة بأسلحة حديثة خفيفة وثقيلة ثم الإنطلاق بها نحو تحرير البلاد. والأموال الازمة لتنفيذ ذلك المخطط يمكن الحصول عليها من الدول الإسلامية خاصة دول النفط . فتلك الدول حسب تقديرهم سوف تدرك تماما خطر إنقلاب أفغانستان الماركسى على مصالحهم. وإمعانا فى التفاؤل أيد هذا الفريق وجهة نظره بالقول بان دول الغرب التى تعد العدد والجيوش فى مواجهة الدول الشيوعية لن تلبث أن ترسل الأسلحة والأموال لدعم المقاتلين ضد النظام الشيوعى فى كابل.
من قالوا بضرورة الشروع فورا فى الجهاد أصروا على موقفهم بضرورة التوجه فورا إلى ميدان القتال وذلك لعدة أسباب هى :
 
أولا : أن حجج الفريق الآخر هى لتضييع الوقت فيما لا طائل من ورائه. فإنه خلال الوقت الذى سيضيع فى تجميع الأموال وإقناع الدول بمساعدة المجاهدين، سيتمكن الشيوعيون من تثبيت حكمهم والقضاء تماما على أى إمكانية للمقاومة.
ثانيا: إن إقبال الدول الإسلامية على مساعدة المناوئين لنظام كابل هو أمر غير مضمون ومشكوك فى جدواه.
ثالثا: مهما طال الزمن فلن نستطيع أن نجهز قوة توازى أو حتى تقترب من قوة الجيش الأفغانى الذى ينهل من الترسانة الروسية ما يشاء من أسلحة وذخائر.
 فى بيشاور إحتدم الخلاف واستحال الإتفاق، وانطلق كل فريق كى ينفذ ما يراه صحيحا.
 فريق " المساعدات أولا" إنطلق إلى دول النفط وإلى دول الغرب طالبا المساعدة.
وفريق " الجهاد الآن" رحل إلى داخل أفغانستان حتى يبدأ من هناك.
           
 
عاد الشيخ " جلال الدين حقانى" من بيشاور ونقاشتها المجدبه إلى بيته فى ميرانشاة حيث الأهل والمهاجرون وأصحاب الجهاد القديم . ومن جديد أعلن الجهاد وإلتف حوله عدد من الأوائل الذين سبق لهم الجهاد ضد حكم "داود". منهم مولوى" محمود لاله" المجاهد العجوز الذى ناهز السبعين ومازال يتمتع بقوة خارقة وجسد أمتن من الصخر. ومعه رفيق الدراسة والصبا مولوى "أحمد جول" العابد الناسك ، وأربعة من طلاب العلم الشباب. جمع كل منهم مالديه من مال وباع ما يمتلك من حطام تاركين أسرهم بلا مال واشتروا بما يملكون ذخائر وأطعمة وأغطية. وكان لديهم منذ أيام الجهاد ضد نظام "داود" سبعة بنادق إنجليزية قديمة من غنائم الحرب الأفغانية ضد الإنجليزية. واشتروا حمارا هرما حملوا عليه متاعهم.
 
إنطلق الرجال السبعة عبر شعاب الجبال إلى ولاية باكتيا حيث تقطن أشد القبائل الأفغانية بأسا والذين لقنوا فى الماضى الحملات البريطانية دروسا مريرة.
 
إستقر جلال الدين فى شعاب الجبال واتصل بقومه فى زدران. فوصل إليه سرا وفدا من القرى الجبلية. وأخبروه أن قوات الحكومة جاءت وأحرقت منزله ومنازل أقربائه. وأن الدبابات وصلت إلى القرية وأرهبت الناس. والحكومة حذرت الأهالى من أن أى محاولة للعصيان سوف تجابه بأقصى درجات العنف. وأن الناس خائفون ومقتنعون بأن بنادقهم لن تجدى نفعا أمام دبابات الحكومة وطائرات الميج التى تمسح سماء منطقتهم عدة مرات يوميا.
 
ثم زودوا جلال الدين ومجموعته ببعض الأطعمة، واعتذروا لهم بعدم القدرة على المساعدة بأكثر من ذلك. ثم عادوا من حيث أتوا.
 
كان اللقاء مخيبا للآمال ومحبطا لعزيمة أشجع الرجال.
 فى الصباح كانت الحكومة على علم بوجود جلال الدين ومجموعته. فأرسلوا عدة مفارز لتمشيط الجبل، وتزايد نشاط الطائرات فى سماء المنطقة. فتقهقر جلال الدين ورجاله إلى الجبال الوعرة. أوشك الطعام على النفاذ وكاد الحمار أن يموت من الإعياء ومشقة الطريق.
فى المساء جلسوا للتشاور. أوقدوا نارا للتدفئة. كان جلال الدين منهكا وجائعا ولكنه صلبا لا يلين وأصحابه المنهكين الجائعين المطاردين قد نفذ برد الجبال إلى عظامهم. كان هو أمير الركب وعليه أن يتخذ القرار وأن يوضح لهم كيف يتصرفون.
 
 فى هذه اللحظة العصيبة قال لهم جلال الدين:
 ـ سنجاهد فى سبيل الله ولو خذلنا الناس جميعا. وما النصر إلا من عند الله . لن نخاف جيش الحكومة وقد قال الله لنا " والله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين". نحن سبعة أشخاص فى مواجهة جيش من ثمانين ألفا ولكن الله قال" وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله". ولناعبرة فى نصر الله سبحانه وتعالى للمؤمنين على جالوت وجيشه الضخم. ونصره تعالى لموسى وقومه الأذلاء على فرعون وجيشه الجبار. وكلنا يحفظ أحداث غزوة بدر ونصر الله لرسوله الكريم وصحبه الكرام. فمن أراد منكم الدنيا ونعيمها فليرجع إلى أهله ويعيش راضيا إن شاء فى ذل النفى أو قهر الكفر. ومن أراد الشهادة فليبق معى، فغدا بعد صلاة الفجر نهاجم الحامية الحكومية التى فى الوادى ، وليقض الله أمرا كان مفعولا.
 
سالت العبرات من أعين الرجال وقاموا واحدا تلو الآخر فتوضؤا من جدول قريب ينساب ماؤه الصافى من بطن الجبل .. وظلوا يتهجدون إلى منتصف الليل .
فالصبح موعدهم مع الشهادة .
 
إنتهى الرجال من صلاة الفجر وتناول كل منهم بندقيته يتفحصها بسرعة ووضعوا أحزمة الطلقات على أكتافهم وهمس جلال الدين مبتسما مشرق الوجه : " الله ياريح الجنة " .
إبتسم الرجال وتجهزوا للرحيل . رفع جلال الدين يديه إلى السماء وإلتف الرجال حوله يؤمنون على دعائه . واغرورقت عيناه بالدمع ، وقال من الدعاء ما كان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدء القتال .
 
ومسح لحيته بعد أن فرغ من الدعاء ، وأصدر أمره بالتحرك .
تطاير الرجال السبعة فوق الصخور كأنهم فراشات طائرة ، أوسبعة من العاشقين إستبد بهم شوق مبرح . واقتربوا حتى مائتى متر قرب المعسكر .
طلب جلال الدين من أقوى رجاله صوتاً . أن يدعوا جنود المعسكر إلى التسليم والإنضمام إلى معسكر المسلمين ـ فهذه من وصايا الرسول لجنده فى الحرب .
وقف الرجل منادياً الجند بأعلى صوته موضحاً لهم كفر الحكومة وحرمه مساعدتهم فى قتل المسلمين وتخريب ديارهم .
 
لم يكد يفرغ من رسالته حتى أجابته من داخل المعسكر صيحة منكرة تقول "هوراه" .
إنها صيحة الشيوعيين فى الحرب، ثم أعقبتها صليات طويلة من أسلحة أتوماتيكية .
صاح جلال الدين " الله اكبر " مؤذنا رجاله ببدء القتال .
إستمر تراشق النيران متصلاً. سبعة بنادق عتيقة من مخلفات القرن الماضى ضد أسلحة أتوماتيكية تطلق مئات الطلقات فى الدقيقة الواحدة .
 
كان واضحا أنه لا أمل ـ وأن ما يحدث هو الجنون بعينه .
بعد ساعتين من بدء المعركة توقفت الحامية الحكومية عن إطلاق النار ، فتوقف المجاهدون فى دهشة ليستطلعوا الأمر.
 
وجاءت أصوات الجنود تطالبهم بعدم إطلاق النار فإنهم يستسلمون .
خرج جنود الحامية من مواقعهم يهتفون "الله اكبر" ويسحبون جثة رجل من قدميه ـ إنه قائدهم "الخلقى" ـ { أى المنتمى إلى حزب خلق الشيوعى } ـ
لقد أطلق أحد الجنود النار عليه وأرداه قتيلا ـ وانضمت الوحده بالكامل للمجاهدين .
ولم يستشهد أو يجرح أحد من المجاهدين السبعة .
 
إهتزت باكتيا وكامل منطقة الجنوب للنبأ الذى تطاير على رؤوس الجبال .
وإنضم إلى رجال جلال الدين عشرات من شباب القبائل . وتدفقت معونات الأطعمة والألبسه والدواب من قبائل الجنوب . وفى اليومين التاليين للمعركة إتضح للجميع أن المقاومة ضد الحكومة ممكنة .
 
ولكن ظل هذا التساؤل المزعج يؤرق الجميع: ماذا لو جاءت الدبابات ؟؟ .
ظل هذا التساؤل يكدر خاطر الجميع دون أن يبوحوا به لقائدهم جلال الدين .
إن البنادق والرشاشات التى غنموها لا تؤثر فى هذه الوحوش الفولاذية .. فما العمل ؟ .
لم يستمر التساؤل طويلا .. فقد حسمت الحكومة الأمر وأرسلت قوة كبيرة من المشاة والدبابات لتأديب المنطقة .. ووصل الخبر إلى جلال الدين بأن القوة الحكومية قد تحركت من عاصمة الولاية فى طريقها إليكم .
 
وشعر الكثيرين بالإرتباك ـ وأصيب البعض بالذعر ـ خاصة من شاهدوا هذه الوحوش وهى تدك بعض القرى القريبة . 
إجتمع القوم بجلال الدين يستطلعون رأيه فى هذه المعضلة . فوجده الرجال هادئا مبتسما وقد خرج لتوه من الصلاة.
 
فمازحهم قائلا: لعلكم خائفون لأن الدبابات قادمة إليكم.
قالوا له : نعم .. ليس لنا طاقة بحرب الدبابات، وليس لدينا سلاح يؤثر فيها.
سألهم مبتسما: أيهم أقوى .. الله خالق السماوات والأرض أم الدبابات؟.
دهش القوم من سؤال العالم الجليل، وأجابوه بلا تردد:
 ـ بل الله سبحانه وتعالى.
قال ملاطفا ولكن بحزم: من كان يؤمن بذلك حقا فهو مؤمن صحيح الإيمان. ونحن إن لم ننتصر فزنا بما هو أفضل من النصر، فزنا بكرامة الشهادة ورفقة رسوله الكريم وأصحابه فى الجنة. فمن يحب أن تكون له تلك الكرامة فليأت معى، فأنا ذاهب لإنتظار الدبابات عند مضيق الجبل.
 
                       تحول جذرى
تحرك مع جلال الدين خمسون رجلا صوب المضيق. بعضهم كان يحمل سلاحا آليا.
فلأول مرة يحمل بدو تلك المناطق أسلحة آلية. تبسم جلال الدين وهو يتفكر فى هذه الطرفة. وتمتم بها فى أذن زميله المجاهد العجوز " محمود لاله". ثم علق على ذلك قائلا:
   ـ هذه من بركات الجهاد يا شيخ محمود.
 فضحك الشيخ محمود من كل قلبه.
 وقف جلال الدين منتصبا فى وسط الممر الجبلى الذى يخترقه طريق ممهد لم يتم رصفه بعد. وتوجه إلى رجاله بالقول:
 ـ هنا تتنزل علينا الملائكة إن كنا من الصادقين.
 ورفع يديه إلى السماء فى دعاء متضرع إلى الله يسأله النصر على الأعداء أو الشهادة فى سبيلة. فأجهش الشيخ محمود باكيا فى نحيب مرتفع متذكرا سنوات عمره السبعين التى مضت من غير أن يفوز بلقاء الأحبة.
توزع الرجال على مواقعهم فوق القمم الصخرية. ومع إرتفاع الضحى جاءت من بعيد زمجرة الوحوش الحديدية.
 ما أن وصلت الدبابة الأولى إلى فوهة الممر لتعبر خارجة منه حتى جاءت صيحات التكبر وانهالت رصاصات المجاهدين على الوحوش الحديدية.
الدبابات التى لم تدخل الممر فتحت نيران رشاشاتها الثقيلة على القمم الصخرية المحيطة لتوقف نيران المجاهدين.
وسط ضجيج الرشاشات وت

المزيد