كتاب حرب المطاريد غير التقليدية ـ (إضافة أولى)
……………………………………………
حول إستراتيجية أوباما الجديدة فى أفغانستان
خيارات متاحة لمواجهة التصعيد الأمريكى
……………………………………………
من مصطفى حامد (ابو الوليد المصرى)
المصدر : مدونة مصطفي حامد
فى الأول من ديسمبر أعلن الرئيس أوباما "لاـ إستراتيجيتة " الجديدة فى أفغانستان منهيا بذلك ثلاث أشهر من الجدل والإنقسام فى المؤسستين العسكرية والسياسية ليجئ فى النهاية قرار الرئيس إعلانا لفوز القوى الحقيقية الممسكة بمفاصل القرار الأمريكى ، وهى :
ـ القوة الصهيونية البنكية .
ـ كارتل المخدرات .
ـ شركات النفط الكبرى .
ـ شركات تصنيع السلاح أو " المجمع الصناعى العسكرى".
ولكل من هؤلاء بصمة قوية واضحة فى "لاـ إستراتيجية أوباما " الأفغانية التى أوضحت مدى تفكك الإرادة الأمريكية وتمزقها بين مصالح "الوطن" ومصالح أقلية فائقة الثروة حازت على الوطن غنيمة باردة توجهها حيث تقتضى مصالحها الخاصة، التى تعارض مصالح الوطن بأغلبيته السكانية . حتى باتت الدولة الأمريكية على شفا الإنهيار الداخلى وليس مجرد الزوال من مركز القيادة المتفرد بشئون العالم ( 1% من سكان الولايات المتحدة يمتلكون قدر ما يمتلكه 95% من سكانها ) .
مازالت القاطرة الأمريكية المتهالكة تسير على نفس القضبان القديمة فى قفار وجبال أفغانستان . والجديد هو أن السائق الجديد أوباما جاء ليضيف إلى مواقد القاطرة ثلاثين ألف كيس من الفحم / هم عدد جنوده الجدد / عسى أن تصل القاطرة بسرعة … ولكن إلى أين ؟؟ . فالجميع يعرف أنه لاشئ فى نهاية الطريق . وأكثر الناس يؤكد أن هناك هاوية سقطت فيها منذ وقت قريب قطارات سابقة سوفيتية وبريطانية .
المسألة كلها مجرد "مقامرة قوة". فالإستراتيجية الجديدة ، هى السير على نفس النهج الإستراتيجى القديم مع إستخدام المزيد من القوة العسكرية لعل وعسى!!.
ولكن الواقع على الأرض مختلف جذريا هذه المرة . وموازين القوة كلها المعنوى منها والمادى يميل بشدة إلى صالح "الإمارة الإسلامية" أى حركة طالبان .
لقد إستطاعت الحركة أن تقف على قدميها مرة أخرى بعد أن فقدت زهرة مقاتليها "12 ألف مقاتل" فى معركة قندوز عام2001 ، وباقى قواتها إختفت من الساحة . والآن وبعد ثمانى سنوات عادت الحركة لتسيطر على حوالى ثلاثة أرباع أرض أفغانستان . وتنتزع زمام المبادرة العسكرية من قوات أمريكا وحلف الناتو ـ وآخرين ـ بل وتفرض سلطتها الإدارية على المناطق المحررة وتنظم حياة الناس فيها وفق الشريعة الإسلامية .
وهذا يعكس بلا شك تأييدا شعبيا غير عادى للحركة ، ورفضا كاملا للإحتلال الأمريكى وكل مارافقه من مظاهر سياسية وإدارية وحتى إقتصادية .
والنتيجة العملية الآن هى أن الإمارة الإسلامية الآن أصبحت أكثر قوة وأوسع شعبية عما كانت عليه عندما كانت فى السلطة. رغم أنها الآن بلا أى عون خارجى أو أى أصدقاء لهم وزن.
ولذلك مردود إستراتيجى خطير بل ومفصلى فى المواجهة الدائرة حاليا على أرض أفغانستان . وعلى التطورات الإقليمية والدولية القادمة ودور أفغانستان وأمارتها الإسلامية فى ذلك المستقبل .
ولاشك أن القوى الفاعلة فى الإقليم تراجع حساباتها ومواقفها القديمة ، لتحديد سياستها مع الإمارة الإسلامية فى عودتها القريبة إلى الحكم . ولكن هذه المرة بقدم أكثر ثباتا، وكوادر ذات خبرات أعمق فى دنيا الحروب والسياسة وإدارة المجتمع .
إن التجربة المكتسبة لدى حركة طالبان منذ نشأتها عام 1994 وحتى الآن فى 2009 وحروبها ضد نظام الفساد فى كابول لمدة ثلاث سنوات ، ثم تجربة فى حكم أفغانستان لمدة خمس سنوات، ثم حرب تحرير ضد قوات غازية لمدة ثمانى سنوات حتى الآن " أى ما يعادل الفترتين الزمنيتين السابقتين" ، كل ذلك أمد الحركة بعدد هائل من القيادات والكوادر المؤهلة للتعامل مع التحديات الداخلية والأوضاع الأقليمية والدولية من موقع النضج والندية .
لا تغفل القوى الإقليمية ـ على إختلاف توجهاتها ، أن حركة طالبان هى الطرف الأفغانى الوحيد الذى يمكن التعامل معه بثقة ومسئولية. ولا يغفل حتى الأمريكيون أنفسهم عن تلك الحقيقة .
لذا فأعينهم دوما على " طالبان" من أجل التفاوض حول حل نهائى للحرب الدائرة. ولكن الأمريكيون فى غمرة غرورهم كانوا قد أحرقوا كل السفن التى يمكن أن تقود يوما إلى بر العمل السياسى . فلا يجدون الآن حتى مجرد وسيط يقبل طالبان بالحديث معه. لأن كل من كان فى مقدورة لعب هذا الدور جندته أمريكا فى حربها على أفغانستان تحت شعار بوش "من ليس معنا فهو ضدنا" .
الأفق السياسى المسدود أمام الأمريكين فى أفغانستان ، جعلهم يراهنون على إستخام مزيد من القوة ، لإرغام طالبان على القبول بالتفاوض وفقا للشروط الأمريكية. أى الوصول إلى الحالة العراقية فى أفغانستان بترسيخ حكومة عميلة وضعيفة تضع قوة الدولة وأجهزتها من أجل حماية التواجد الأمريكى العسكرى الرابض فى الظل بعيدا عن الأعين داخل قواعد عسكرية كبيرة ومحصنة جيدا. وبالفعل تستنفر أمريكا وحلفاؤها الأوربيون طاقتهم لتدريب أجهزة القمع الأفغانية من جيش وشرطة ليكونوا مؤهلين لأداء المهمة نيابة عن قوات الإحتلال التى سيلوذ أكثرهاـ من الحلفاء الصغارـ بالفرار من أفغانستان .
ويبقى كبار قادة الغزو "أمريكا وبريطانيا" فى قواعدهم الحصينة للتدخل عند الضرورة القصوى .
التكثيف الأمريكى لإستخدم القوة عبر تعزيز القوات هو ثمن باهظ لشراء الزمن الكافى لتعديل الموازين على الأرض .
فعندهم أمل فى أن يحققوا ،خلال عامين، إجراءات ثمانية، لم ينجحوا فى الوصول إليها خلال ثمان سنوات من القتال ـ وهى :
1 ـ إشعال إقتتال داخلى على أسس مذهبية أوعرقية .
2 ـ شراء مجموعات قتالية بالرشوة لترك القتال .
3 ـ شق صفوف طالبان وإختراع أو صناعة جناح معتدل .
4 ـ تكثيف الضغط على المدنيين وإرهابهم بالضربات الجوية وحملات التفتيش المزودة بالكلاب المفترسة ـ لشق الإرتباط بين الشعب وحركة طالبان المقاومة.
5 ـ إحكام السيطرة على هلمند ، وهى الجائزة المالية الأعظم للإحتلال وكنز الأفيون العالمى .
6 ـ إحكام السيطرة على ولايات الجنوب الخمس التى تعتبر قبائلها أكبر محتضن لحركة طالبان منذ نشوئها .
7 ـ صناعة قيادات ومجموعات تزاحم حركة طالبان فى مجال العمل المقاوم. وبالتالى التشويش على سيطرة طالبان على الوضع الداخلى ، ثم مزاحمتها فى الوضع السياسى القادم . أى بمعنى أوضح التأسيس لمرحلة من الحرب الأهلية مستقبلا على غرار ما حدث بعد الإنسحاب السوفيتى.
8 ـ إستخدام موضوع التنمية والمشاريع المدنية كأسلوب لإسترضاء الشعب وتقديم نوع من الرشوة الجماعية.
جميع هذه المحاولات /فيما عدا موضوع الأفيون/ جربها السوفييت فى أفغانستان وفشلوا رغم نجاحات جزئية هنا وهناك .
ثم أن الأمريكيون جربوها جميعا ، وكنت النتيجة هى مانراه الأن من تنامى قوى طالبان وإحكام قبضتها على الوضع الداخلى ، وتحقيق أوسع إجماع شعبى حولها منذ تاريخ تأسيسها منذ عقد ونصف .
التماسك التنظيمى، والمقدرة القتالية ، وبراعتها فى إدارة العمل السياسى الداخلى والدعوى والعقائدى، مع تمتعها بوحدة القيادة، كل ذلك مكنها وبسهولة نسبية من إحباط كل الاجراءات السابقة خلال السنوات الثمان الماضية .
وزيادة القوات الأمريكية لن تغير ذلك الوضع بل سوف يؤكده على الأقل لسببين رئيسين :
الأول : هو الرفض الشعبى الشامل للإحتلال.
الثانى: أهلية "الإمارة الإسلامية" كحكومة تحكم فعليا معظم أفغانستان وتتمتع بالتأييد الأشمل بين الشعب الأفغانى، وتتمتع بالتالى بمقدرة كبيرة على التحكم فى مجريات الأمور بما فى ذلك القدرة على إحباط أهداف العدو فى شتى المجالات .
ومع ذلك فلابد أن حركة طالبان ستدخل " إضافات جديدة على استراتيجيتها الأصلية" من أجل أحباط استراتيجية العدو ـ القديمة الجديدة ـ والتصدى لأى مزايا قد تعود عليه من جراء زيادة عدد قواته . بل وتحويل تلك الزيادة إلى عامل تآكل فى قدراته وعنصر مسرع لإنهياره الشامل فى داخل أفغانستان وفى الداخل الأمريكى نفسه .
ـ ونقول بأن أوباما لم يقدم استراتيجية جديدة، بل أنه قد أضاف فاصلا من التشويش والتخبط ومزيد من المراهنة الخرقاء على القوة المسلحة بدون أى رؤية استراتيجية حقيقية للفوز بالصراع، أو حتى إنهائه بطريقة مشرفه لبلاده تحفظ قدرا معقولا من مصالحها فى أفغانستان والإقليم المحيط بها .
المقامرة بهذا الشكل المتهور على السلاح وحده ستنتهى بما هو متوقع من سقوط مدوى للقوة والمكانة الأمريكية فى العالم ، مع تداعيات "جيوستراتيجية" غير قابلة للتصور.
فى المقابل يتطلب الأمر توسعة نطاق استراتيجية "الإمارة الإسلامية " لمواجهة متطلبات المرحلة الأخيرة فى الحرب وتحقيق نصر كامل على العدو .
نحتاج هنا إلى شئ من التفصيل لشرح بعض التصورات لما هو ممكن من (توسعة العمل الاستراتيجى) للإمارة الإسلامية.
مقدمة:
نظرة إلى المناخ الذى فى ظله إتخذت الولايات المتحدة قرارها بزيادة تورطها العسكرى فى أفغانستان نجد التالى :
1 ـ أن القرار إتخذ تحت سطوة (النفوذ الصهيونى البنكي) الذى فاز بنصيب الأسد من أموال الدولة الامريكية بإفتعاله الأزمة المالية الأخيرة التى أحكمت قبضته على معظم المال الأمريكى ومن ثم جزء كبير من الثروات العالمية.
2 ـ تضغط (الصهيونية البنكية) من أجل إتمام المشروع الصهيونى الإسرائيلى فى المنطقة العربية ، وهو الآن فى مراحله الأخيرة من:
تهويد القدس ـ هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل مكانه ـ طرد الفلسطينين من كل فلسطين ـ إتمام هيمنة إسرائيل على المنطقة العربية كلها تحت حماية عسكرية أمريكية مقيمة دوما فى المنطقة برا وبحرا .
3 ـ إغراق المنطقة العربية من صراعات داخلية ـ لصرف أنظار شعوبها عما يحدث فى فلسطين ـ ولإيجاد عدو من داخل المنطقة بديل عن إسرائيل .
وتستخدم إسرائيل فى ذلك كامل الطاقة الأمريكية ، وطاقة الأنظمة المحلية ، وطاقة تنظيمات شعبية علمانية وإسلامية .
4ـ فرض حصار بحرى على جزيرة العرب تمهيدا لتمدد إسرائيلى مستقبلى صوب المدينة المنورة ومكة المكرمة.
5 ـ تحطيم اليمن وتفتيته، بصفته الخزان البشرى الرئيسى فى جزيرة العرب ومخزونها المقاتل الوحيد ، المتمثل فى قبائل اليمن القوية والمسلحة .
6 ـ تصفية القبائل الإسلامية فى الصومال ، لفسح المجال أمام مساهمة إفريقية لغزو جزيرة العرب ضمن إسناد عسكرى لتقدم إسرئيلى قادم ، عندما تكتمل شرائطه ، من الشمال صوب المدينة ومكه .
7ـ يجئ رفع وتيره قعقعة السلاح الأمريكى فى أفغانستان كجزء من خطة صرف الأنظار عما يحدث فى القدس خاصة وفلسطين عامة .
8 ـ إشعال حالة من الكراهية العنصرية ضد المسلمين فى أوروبا لصرف أنظار الأوروبين عن المتسبب الحقيقى عن الكارثة المالية . وما قد ينتج عن ذلك من إنبعاث الكراهية التقليدية لليهود فى أوروبا وربما بشكل إنتقامى هذه المرة . أى أنهم يخلقون أيضا لشعوب لأوروبا عدوا بديلا عن اليهود عدوهم التقليدى عبر قرون طويلة ، تماما كما يفعلون مع العرب.
ـ إذن رفع التورط العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يخدم أهدافا أمريكية بقدر ما يخدم أهدافا إسرائيلية . كما يخدم فى نفس الوقت مصالح كرتيلات النفط والمخدرات وكلاهما للصهاينة فيه السهم الأعلى . إضافة إلى أن العائدات المالية الهائلة لتلك الكارتيلات تصب فى النهاية فى خزائن البنوك الصهيونية العملاقة .
كما أخذت حملة أوباما الأخيرة نفس الطابع "الرسالى" الذى بدأ به بوش حربه على الإسلام . فهو يكرر معزوفات البلاء ويقول بأن حرب أفغانستان "ضرورية". ليس فقط لأمريكا ولكن "لأمن حلفائنا والأمن المشترك للعالم" .
ويتناسى أوباما متعمدا مدى التغير الذى طرأ على العالم منذ أنشد بوش لأول مرة معزوفته الصليبيه تلك . ولأى مدى أصبحت أمريكا محتقره ومنبوذه من شعوب أوروبا التى عبرت فى إستفتاءات الرأى عن أن إسرائيل هى التهديد الأول للسلم العالمى .
وقعقعة السلاح بوتيرة عالية فى أفغانستان لن تغطى على تلك الصورة الإسرائيلية والأمريكية البشعة فى العالم بل ستزيدها وضوحا.
دور أسامة بن لادن والقاعدة
أثبتت الأحداث منذ الغزوالسوفيتى لأفغانستان أن ذلك البلد قد إنتقل ، بالتفاعل الوجدانى ، إلى قلب المنطقة العربية . كما أن المنطقة العربية قد إنتقلت إلى هناك عبر حركة متطوعين واسعة فى الثمانينات , ثم هجرة تنظيمات جهادية فى التسعينات .
وهو الأمر الذى قاد إلى أحداث 11 سبتمبر. وهى الذريعة التى رتبتها الولايات المتحدة لتشن حربا على الدول العربية والإسلامية وتفتح أبواب التدخل على مصراعيها فى شئون العالم كله . فقد نصبت "الإرهاب الإسلامى!!" ـ عدوا بديلا عن الإتحاد السوفيتى ليكون ذريعة لإرهاب شعوب العالم ولنهب ثرواتها والتدخل فى تفاصيل شئونها السياسية والثقافية .
ذكر "اوباما" 11سبتمبر على أنه الحدث الذى من أجل تفادى تكراره ، يرسل المزيد من قواته إلى أفغانستان . فهو إذن يواصل حرب"بوش" لأجل القضاء على تنظيم القاعدة وحركة طالبان .
ولعل الكرة الآن إنتقلت إلى زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن كى يفرض مبادرته هو على ساحة الصراع الدائر. فلا يظل منساقا بلا وعى منه فى المسير ضمن استراتيجية العدوان الأمريكي .
بيده الآن أن يظهر بوضوح نقاط الإلتقاء والإختلاف مع حركة طالبان . ومدى مسئولية حركة طالبان عن أحداث 11سبتمبر ومدى التطابق أو التباين بين تهديداته وبين قدراته الفعلية، والتى ظهرت واضحة على الأرض خلال ثمان سنوات منذ أحداث سبتمبر حتى الآن .
إيضاح ذلك سيظهر أن حركة طالبان لم تكن على علم مسبق بأحداث سبتمبر وأن حماية الإمارة الإسلامية لأسامة بن لادن والقاعدة وباقى المهاجرين العرب والمسلمين كانت تطبيقا لمبادئ إسلامية وأعراف قبيلية ممتدة إلى فجر التاريخ، وليس من أجل التجهيز والتنفيذ لأعمال هجومية ضد أى طرف فى العالم.
كما ستظهر أن القدرات الحقيقية للقاعدة ، بدون المبالغات الأمريكية ومبالغات القاعدة نفسها ، لا تستدعى إرسال حتى سرية جنود واحدة.
وأن السيادة والسيطرة وقيادة حركة المقاومة الجهادية فى أفغانستان حاليا وسابقا ثم لاحقا، هى للإمارة الإسلامية فقط بلا أى سند أو مساعدة من خارج أفغانستان .
إن إيضاح تلك الحقائق لا يسئ لأسامة بن لادن أو القاعدة ولا يسئ الى قوة الإرتباط الإسلامى بين المجاهدين، إنه فقط يدحض الذرائع التى تخدع بها الإدارة الأمريكية شعبها والعالم . وتظهر بأن ذلك الغول الوهمى المسمى القاعدة لا وجود له فى الواقع ـ على الأقل بنفس تلك الدرجة المهولة التى تدعيها أمريكا وتسعد القاعدة بسماعها .
إن تصريح بن لادن بتلك الحقائق لن يجعل أمريكا تخجل وتسارع إلى سحب قوتها من أفغانستان . ولكنه حتما سوف يجردها من أهم أسلحتها الدعائية ويسحب من حربها على أفغانستان أى مشروعية أخلاقية أو أمنية، ويعريها أمام شعبها وباقى شعوب العالم.
ـ إن ذلك هو أقل جميل ممكن أن يفعله أسامة بن لادن ردا على جميل الشعب الأفغانى والإمارة الإسلامية التى حمته ودافعت عنه وقبلت بدخول حرب من أجله ، وهو العمل الذى لا نظير له فى التاريخ .
ـ والشئ الآخر الأكثر روعه هو أن يعود بن لادن إلى اليمن لقيادة شعبه هناك فى فترة حرجه من تاريخه قد تؤدى إلى زوال ذلك الكيان البشرى الفريد فى ساحة التأثير العربى والإسلامى .
أن شعب اليمن فى حاجه إلى أسامة بن لادن أكثر من حاجة وزيرستان أو شريط الحدود الباكستانية الأفغانية . وذلك هو الظرف التاريخى الذى تظهر فيه معادن الرجال . ثلاثة شعوب إسلامية عريقة وهامة ستمنحه الأمتنان والتأييد لذلك العمل أنهم شعوب اليمن وباكستان وأفغانستان، بل والشعوب الإسلامية جميعا التى تتمنى وترجو عودته إلى اليمن وجزيرة العرب حيث المقدسات التى دعا إلى تحريرها.
معالجة جديدة لمشكلة الأفيون
الأفيون هو الجائزة العظمى لتلك الحرب . وكان الأفيون هو السبب الحقيقى والمباشر لشن الحرب . وهو يشكل العائد الإقتصادى الأعظم للإقتصاد الأمريكى والماكينة البنكية هناك. وهو عائد يقدر بمئات المليارات، ويدخل ضمن دورة عظمى لتجارة وترويج المخدرات عبر العالم تقدر بآلاف المليارات ، للمافيا والدولة الأمريكية حصة الأسد فيها.
ومنذ اللحظة الأولى لحرب 2001 إستهدفت القوات الأمريكية مباشرة مزارع الأفيون العظمى فى هلمند وجلال آباد وكانت خاوية على عروشها بعد أن حظرت الإمارة الإسلامية زراعته ، فتحرك الجيش المريكى على الفور دفاعا عن مصالح مافيا المخدرات.
والآن يرسل أوباما تعزيزات عسكرية تستهدف طلائعها ولاية هلمند تحديدا. وبالمثل تفعل بريطانيا التى جعلت قواتها كلها /تسعة آلاف جندى/ وقفا هلى هلمند فقط . وتعتزم إرسال تعزيزات جديدة إلى هناك قوامها خمسمئة جندى آخر. وهكذا وهبت بريطانيا العظمى جيوشها لخوض حروب الأفيون منذ القرن التاسع عشر فى حربين ضد الصين إلى القرن الحادى والعشرين فى حرب أفيون ممتدة ضد أفغانستان.
ومنذ لحظة العدوان الأولى فى أكتوبر 2001 وحتى الآن يؤكد العدو على أن الأفيون هو الهدف الأول من الحرب وأن هلمند هى على رأس قائمة الأهداف كونها تنتج 60% من أفيون أفغانستان وأكثر من كل إنتاج العالم (بشهادة الأمم المتحدة كان إنتاج هلمند يساوى صفرا قبل العدوان الأمريكى مباشرة ).
والذى يراجع قائمة الإشتباكات التى تصدرها الإمارة الإسلامية فى كل شهر يرى أن ثقل الحرب الأساسى موجود فى هلمند التى تشهد أكبر قدر من المعارك. وبالتالى يفقد العدو هناك أكبر قدر من الخسائر ويستخدم الجزء الأكبر من قواته العاملة.
والسيطرة على هلمند غير ممكنة بدون السيطرة على ولاية قندهار. لذا يقول عسكريون أمريكيون أنهم ينوون إقامة طوق عسكرى حول قندهار، ويقصدون بذلك المدينة وليس الولاية. ثم تسريبات أخرى تقول بأن القوات الأمريكية ستعمل على تأمين الطريق البرى من كابول إلى قندهار.
وهكذا يصبح واضحا للجميع ميدان العمليات الرئيسية فى المعارك الأمريكية الفاصلة فى آخر حروب الأفيون.
خيارات متاحة أمام الإمارة الإسلامية
هذه بعض الخيارات متاحة أمام الإمارة الإسلامية لمواجهة التصعيد العسكرى للعدوان الأمريكى الأوروبى على أفغانستان.
1ـ حظر زراعة الأفيون فى هلمند والولايات الخمس الجنوبية ، حيث الثقل الأعظم لتلك الزراعة.
ويبدو ذلك الآن مستحيلا نظرا لإنعدام البدائل مع إستعداد أمريكا لإحباط أى زراعات بديلة أو نشؤ إقتصاد جديد غير معتمد على الأفيون. وقد نجحت فى أحباط الزراعات البديلة فى أفغانستان عام 2001 وكانت الإمارة الإسلامية قائمة، فما بالك الآن؟.
2ـ إقناع المزارعين بتخفيض مساحات الأفيون إلى أقل قدر ممكن، بحيث يكون العائد الذى تحصل عليه أمريكا فى حده الأدنى فيكون إحتلال هلمند وربما كل أفغانستان عمل غير إقتصادى فتضطر إلى الإنسحاب.
ويبدوا أن الوقت قد فات على هذا الإجراء أيضا. خاصة فى الموسم الحالى (2009 / 2010 ) لأن موسم البذار الأساسى قد إنتهى وأصبح المزارعون غارقون فى الديون وبإنتظار موسم جمع الأفيون لسداد الديون المتراكمة عليهم للمقرضين، وللحصول على عائد للإنفاق باقى العام.
هذا إلا إذا رأت الإمارة أنه من الممكن إقناع المزارعين / ولأجل إنقاذ هلمند والجنوب وكل أفغانستان/ أن يتلفوا محصول الأفيون لهذا العام على أن تتكفل الإمارة بإقناع المقرضين بتأجيل تحصيل الديون لمدة عام أو عامين.
وبهذا ينتفى سبب إحتلال هلمند والجنوب وربما كل أفغانستان وتسلم أرواح الناس وممتلكاتهم من عدوان وحوش الأفيون من أمريكيين وبريطانيين وغيرهم من متحضرى أوروبا الديموقراطية.
3 ـ إستهداف شريحة وسطاء الإحتلال من متمولون وتجار، ممن يقرضون المزارعين بالربا ثم يحصلون منهم على الأفيون بعد جمعه ثم يوردونه لجيش الإحتلال. ومعظم هؤلاء مرتبطون بكرزاى وشقيقة ضمن مافيا أفغانية منظمة متعاونة مع الإحتلال فى أهم موضوعاته فى أفغانستان، وهو موضوع الأفيون.
إستهداف هؤلاء كأولوية قصوى يحرم الإحتلال من قدر كبير من خام الأفيون بما يؤثر بشدة على وضعه الإقتصادى. ومطاردة تلك الشبكة فى الجنوب و فى العاصمة أو باقى أرجاء لبلد ليس بالأمر العسير، رغم أن كبارهم محاطون بحراسات محلية ودولية من شركات المرتزقة العاملة مع الإحتلال. وهذا يجعلهم هدفا ذو قيمة إقتصادية وعسكرية بل وإستراتيجية فى نفس الوقت.
4ـ المساعدة فى تنشئة وتقوية وحماية شبكة وطنية بديلة للمقاومة الزراعية. مهمتها إقراض المزارعين بلا فوائد ربويه وتشجيعهم على زراعات بديلة للأفيون. فإذا تعذرت زراعة تلك المحصولات بسبب تدخل الإحتلال فتقوم تلك الهيئة بعمليات إقراض المزارعين وجمع محصول الأفيون وتوجيهة إلى مسارات أخرى لاتقع فى أيدى الإحتلال وسلطات كابول.
5ـ فى شهر يوليو 2009 قامت القوات الأمريكية وبالتوازى معها القوات البريطانية وبالتوازى معهما قوات كرزاى بثلاث حملات متزامنة على ولاية هلمند كان الهدف الحقيقى منها هو جمع محصول الأفيون الجديد بعد أن تم تجفيفة. ويفضل المزارعون بيعه على هذه الحالة كونه أعلى سعرا. كما يفضله التجار أيضا لسهولة نقله جافا وليس سائلا.
من الأفضل فى هذه الحالة أن تقوم الشبكة الوطنية بجمع الأفيون سائلا فور جمعه ونقله إلى مناطق آمنه خارج أيدى جنود الإحتلال. ومن الأفضل دفع أثمانا أعلى للمزارعين مقابل قبولهم بذلك. ويلاحظ أيضا أن القروض غير الربوية ستكون عنصرا مشجعا إضافيا، إلى جانب شعور المزارعين أنهم يؤدون مهمة لمقاومة المحتلين، ولخدمة الدين والوطن والأبرياء من السكان.
6 ـ الشبكات البديلة/أو شبكات المقاومة الزراعية/ يمكنها بناء شبكة علاقات تمكن من سد الفجوة التسليحية الموجودة حاليا لدى المجاهدين فى بعض أنواع الأسلحة المؤثرة فى مجريات المعارك. وذلك بالشراء من السوق المحلى ومن الجيش الحكومى أو جيوش الإحتلال، أو عبر الحدود بواسطة مغامرين محليين أو دوليين. إذا تمكنت تلك الشبكات للمقاومة الزراعية من أداء تلك المهام تكون قد لعبت دورا حيويا ذو قيمة إستراتيجية.
7 ـ من الواضح أن زراعة الأفيون أصبحت تشكل خطرا كبيرا على شعب هلمند بشكل خاص وعلى كل أفغانستان بشكل عام. وبما أن الإمارة تمتلك سلطة كبيرة على الولاية، فربما كان أحد خياراتها المتاحة السعى إلى تخفيض ملموس على مدى ثلاث سنوات هى المدة المتبقية على حكومة أوباما وقد وعد شعبه بالإنتهاء من ورطة الحرب فى أفغانستان خلال تلك المدة.
فلو أمكن للإمارة إقناع المزارعين بتخفيض سنوى بمقدار الثلث كل عام لأصبح تواجد القوات المحتلة فيها غير ذى موضوع. فزوال الإحتلال مرتبط بزوال سبب الإحتلال.
الحشيش (تشرس) بعد الأفيون (ترياق):
ينبغى ملاحظة أن الإحتلال الأمريكى قد توسع كثيرا فى زراعة الحشيش (تشرس) فى الولايات الشمالية الشرقية والوسطى، فيما يمكن تسميته بحزام الحشيش. يقابله فى الجنوب حزام الأفيون. ثم ركز الصناعة التحويلية ، من أفيون إلى هيرويين، داخل قواعده الجوية. ورغم أن موضوع الأفيون معروف نسبيا إلا أن موضوع الحشيش موضوع تحت ستار كثيف من السرية. ذلك على الرغم من ضخامة الكميات المنتجة وضخامة العوائد التى تكاد تساوى عوائد زراعة الأفيون. مضافا إليها قلة تكلفة الزراعة وسهولتها وعدم الحاجة إلى تمويل بالقروض.
وهذا يرتب على الإمارة الإهتمام بتلك المشكلة ودراستها بطرقها الخاصة حيث أنها مرتبطة بتمويل قوات الإحتلال وأيضا بتوثيق علاقات الإحتلال بالوسط السكانى من المزارعين وتجار المخدرات.
يترتب على تلك الدراسة وضع خطة للتعامل مع ذلك الخطر وإحباطه.
يلاحظ أن الفتوى الشرعية بالنسبة للحشيش يمكن الآن أن تلحق بالفتوى الخاصة بزراعة الأفيون ( من حيث إباحة الزراعة كمحصول دوائى وتحريم التعاطى الشخصى). فالآن قد أعلن عن إكتشاف مواد علاجية عديدة وهامة فى الحشيش أيضا. ويلاحظ أن فتاوى السادة العلماء فى الإمارة ستلاحظ إلى جانب ذلك الأضرار الكبيرة لتلك الزراعات على إستقلال البلد وسلامة الشعب نتيجة العدوان الأجنبى الذى جاء من أجل الحصول على تلك المواد وعوائدها المالية الكبيرة ، وإستخدامها فى الإضرار بعموم البشر فى أرجاء العالم.













