بقلم : هاشم المكي ( مصطفي حامد)
مقدمة: من المصادفات السعيدة أن نعثر علىهذاالملف, من بقايا الحرب
الأفغانية ضد السوفييت. كتب فيرمضان 1413هـ مارس 1993م
والملف يؤرخ للحالة الفكريةالعربية التي عاصرت تلك الحرب.
وقت كتابة الملف, كان المجاهدون العرب في بيشاور، بل وباكستان كلها تحت ضغط شديد من المطاردة والاعتقال والإبعاد, في بدايات حملةطالبت بها الولايات المتحدة, ثم أدارتها من وراء ستائر شفافة ومواربة. وليس هذا هوالمهم, بل المهم هو أن الملف يحوى عدداً من القضايا, والمشاكل الفكرية والحركية، المتأمل فيها يلاحظ بسهولة أن جذور المأساة الحالية, لعرب أفغانستان كانت متواجدةمنذ ذلك التاريخ القديم.
• كان الملف على وشك الطباعة في ذلك الوقت, ولكن جهةإسلامية هامة تكرمت مشكورة بإحباط المشروع.
• فدُفنت الأوراق في الجبال ثم قرأهاالبعض سراً وتسرب بعضها هنا وهناك.
والمذكرة تحوى أول مشروع نقدي لظاهرة (الأفغان العرب) مع التحفظ على التسمية. ولكن العداء الإسلامي لعملية النقد حرمنامن فرصة أن نكون في مركز أفضل في مقابل حرب عالمية طويلة بدأت في عام 2001م. وهىحرب جاءت بعد ثماني سنوات عجاف من الحملة الباكستانية, على عرب بيشاور في عام 1993م. بل كانت في الحقيقة استمرارا لها..
تعددت الحملات والنكبات منذ ذلكالتاريخ.. ولكن يظل لدينا ثابتاً لا نتراجع عنه هو كراهية النقد.. ووضع مصلحة)الجماعة) فوق مصلحة ( الأمة) وتقديس (الفرد) أكثر من تقديس (الرسالة).
فهل نعجبإذن من تحالفنا الدائم مع الفشل؟
وهل نلوم العدو على هزائم نوقعها بأنفسنا.. قبلأن يقوم هو من مقعده؟
السياسة بين التعاملوالموالاة: عقيدة الولاء والبراء
الولاء هو الولاء لله ورسوله والمؤمنين .
والبراء هو التبرؤ التام من معسكر الطاغوت بأكمله.
وعقيدة الولاء والبراءلا تعنى انقطاع التعامل بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر, بل التعامل بينهما لاينقطع لحظة من ليل أو نهار. والتعامل على أنواع.
1- تعامل دعوى يسعى إلىإقناعهم بإتباع الحق وترك الباطل.
2- تعامل جهادى يقاتلهم بالسيف عندما تستدعىالضرورة
3- تعامل في الأمور المعاشية من تجارة أو استخدام الأراضي والموانيللمرور.. إلخ
4- تعامل سياسي لاستطلاع المواقف \"ذات الاهتمام المشترك \". وهوأوسع مجال من مجالات التعامل وهو ما يعنينا في هذا الحديث.
إذا أدركنا أنالسياسة هي الجانب الآخر للحرب فإننا نقر أيضا أن العمل السياسي الإسلامي هو أيضاًعمل قتالي جهادي. ولا يمكن للعمل الجهادي العسكري أن يستغنى عن الممارسة السياسيةالجهادية, وإلا أصبح نوعاً من العبث الدموي, بل يتحول في حقيقة الأمر إلي مطية سهلةللقوى المعادية للإسلام كي تحقق به مآربها, كما حدث في جهاد المسلمين في أفغانستان, الذي استفاد منه كل الاستفادة المعسكر غير الإسلامي, بينما المجاهدون أنفسهم كانواأول ضحاياه… والشعوب الإسلامية أكثر من عانى منه ( مع عدم إغفال الفوائد الجانبيةالتي حققها المسلمون من هذا الجهاد وأهمها انتعاش الحالة الجهادية في العالمالإسلامي وتطورها بشكل عام).
وإن كان المسلمون المجاهدون قد أثبتوا نوعاًمن الجدارة العسكرية في جهادهم ضد فرنسا في الجزائر وضد اليهود في فلسطين وضدالسوفييت في أفغانستان..
إلا أنهم في كل تلك الأحوال راحوا ضحية, ليس فقط جهلهمالسياسي, بل غيابهم الكامل عن ذلك المجال الحيوي للمسألة الجهادية .
مع ملاحظةأن قيادات المنظمات الأفغانية عندما ولجت المجال السياسي فإنها دخلته من باب الخضوعالكامل لإدارة المعسكر المعادي للإسلام ولتكريس مصالحها الشخصية في الحصول علىالأموال والسلاح والزعامة الشكلية, التي أهم مقوماتها الحصول على رضاء ومساعدةالقوي الدولية والإقليمية.
وحيث أن السياسة والقتال وجهان لعملة واحدة وأي عملةذات وجه واحد فقط هي عملة مزيفة لا يمكن قبولها ولن يكون لها وزن اقتصادي .
كذلكالتحرك الإسلامي الذي يتبنى أحد وجهي العملية الجهادية \" الحرب والسياسة \" هوأيضاً تحرك مزيف لن يكون له وزن في تحقيق الهدف الإسلامي الأعلى, وهو تحقيق عبوديةالناس لخالقهم – وليس للأنظمة الدولية والمحلية التي تجعلهم في أسوأ درجات الإذلالللطواغيت من كل صنف ونوع.
فالسياسة هي أوسع مجالات التعامل البشري وأشدهاتأثيراً على غيرها من النشاطات.
ومع سيطرة الحضارة الغربية على العالم وهيحضارة مادية لا دينية معادية للإسلام, فقد أخضعت السياسة لمعيار المصلحة واستبعدتتماما الجانب الأخلاقي المستمد من الدين… بل أصبحت مجرد نبات ينمو على تربةالمصالح المادية وخاضع لشروطها.
فالسياسة كمادة تعامل بين البشر اتسمتبطابع الحضارة الغربية المتسلطة, وبالتالي فقدت الطابع الأخلاقي والإنساني وأصبحتمادة شيطانية مليئة بالخداع والكذب والتآمر والخيانة…….. الخ .
لذلكيجد المسلم نفسه في رعب من التعامل في المجال السياسي… ويفضل أن يتمسك بجانبالطهر والعفاف بعيداً عن ذلك المستنقع… ولكن نتيجة لذلك التعفف فإن حيواناتالغابة السياسية تفتك في نهاية الأمر بهؤلاء المتعففين.
لهذا لا بد أنيخوض المسلمون المجاهدون غمار و مخاطر العمل السياسي كما يخوضون غمار المعاركالعسكرية… مدركين أنهم في مجال أشد خطورة, والخطأ فيه أشد فداحة.. وقد قالأحدهم أن خطأ سياسي واحد أوخم عاقبة من مئة خطأ عسكري, وهو قول لا يخلو من الصحة .
* أهم مبادئ السياسة هو مبدأ المصلحة. وهو مبدأ لا يخضع مطلقاً لأي قيمةأخلاقية.. بل أن كل المبادئ الأخرى تتبعه . الصداقة أو العداوة .. السلم أو الحرب ..تتحدد جميعاً طبقا للمصلحة.
ولخص ساسة الغرب ذلك في شعار يقول \" ليس فيالسياسة عداوة دائمة أو صداقة دائمة ولكن هناك مصالح دائمة \”.
وكون هذاالمبدأ صحيح إجمالاً إلا أنه لا ينسينا حقيقة أن العداء المشترك للإسلام يشكل أرضيةعمل مشترك بين الفئات الصليبية واليهودية. وهو ما نشاهده بوضوح في ظل النظامالدولي الجديد. وهو ما كان صحيحاً وملحوظاً في معظم العصور السالفة.
ومعذلك أيضاً فقد كان اختلاف المصالح فيما بينهم دافعاً لأشد الحروب دموية فتحالفهمالإيديولوجي ضد الإسلام هو تحالف هش ومحدود بسقف المصالح المادية لكل طرف منهم.
ويصبح التحالف قصير المدى في حالتين:
الأولي : إذا حقق أحد أطرافهم مكاسبكبيرة قبل الآخرين, فيسعى إلي الإستئثار بها منفرداً, وقد يتوقف عن قتالالمسلمين مؤقتاً . بل ربما يقاتل الآخرين دفاعا عن مكتسباته.
الثانية : وجودمقاومة إسلامية عنيفة تجعل عملية الغزو باهظة التكاليف وغير مجدية. فتبدأ أطرافالتحالف في الانسحاب واحداً بعد الآخر مؤثرين السلامة أو تأجيل الصدامإلي ظروف أخرى مناسبة.
وعلى الطرف المسلم أن يدير خطته السياسية علىأساس سقف المصلحة التي يحد حركة كل عدو من أعدائه. وأن يوسع فجوة المصالح بينالأطراف المعادية. وقبل كل ذلك لا بد أن تكون \" خريطة المصالح \" واضحة في ذهن القيادة السياسية المسلمة. وهي خريطة مهمة بنفس درجة أهمية الخرائط في العملالعسكري – وربما أكثر أهمية –
والخرائط \" سياسية أو عسكرية \" هامة جداً \" فيالعمل التكتيكي وهو عمل قوامه المناورة التي هي فن أكثر تعقيداًفي السياسة منهافي العسكرية.
والتكتيك العسكري يبدو بسيطاً بل بدائياً إذا قورن بالتكتيك السياسي, فالتكتيك العسكري قوامه المناورة بالنيران والحركة على أرض المعركة, وهي معطياتفيها قدر لا بأس به من الثبات, أما التكتيك السياسي فهو مناورة لتحقيق مصالح محددةفي وسط غابة هائلة من الخطر والمصالح المتعارضة, ومعظمها عوامل متغيرة وبعضها عواملممتدة من أعماق التاريخ.
ونظراً لتلك الصعوبة يلجأ الجميع إلى الكثير من الحلولالوسط التى تحقق أكبر قدر من المصلحة بأقل قدر من المخاطر.
والصفقة هي الطابعالأشمل للسياسة بل تعتبر في كثير من الأحيان دليل نجاح, لأن البديل عن الصفقاتالناجحة التي تحقق مكاسب جزئية هو الحرب المستمرة التي قد تستحق جميعالمصالح.
لذلك لا يمكن السماح بأن تكون الحرب عملاً دائماً بل يمكن قبولها كعملاستثنائي لإزاحة مشكلة مستعصية تمنع الوصول إلى صفقة سياسية \"أي حل وسط\" أو لسحقإرادة خصم أضعف.
تلك المرونة في العمل السياسي هي التي دفعت البعض إلى تعريفالسياسة بأنها \"فن الممكن\".
والصفقة السياسية ليس لها صفة الثبات لأنها مجردانعكاس لموزاين القوة في لحظة معينة, وتلك الموازين عرضة دائماً للتغيير, وبالتالييتم نقض المعاهدات السياسية – أو الصفقات بشكل منتظم-وبالطبع غير أخلاقي.
كما أناحترام الصفقة المعقودة أمر يتم انتهاكه في معظم الأحوال في أقرب فرصة إذا كاننتائج ذلك النقض أكبر من نتائج الالتزام بالعهد, وكذلك عقد صفقات متناقضة مع أطرافذات مصالح متعارضة وفى وقت واحد هو عمل روتيني في الغابة السياسية.
*القوة عاملحاسم في العمل السياسي.. ولكنها القوة بمفهومها الشامل. أي (القوة الشاملة) التيتشمل جميع العناصر المادية والمعنوية التي تجعل طرف ما متميزاً على غيره منالأطراف. لذلك كانت الدول العظمى هي الدول الأكثر نفوذاً في مجال السياسة الدوليةوالتي تدور حولها الكيانات الأضعف لتتفادى السحق تحت الأقدام.
والآن أصبحت معظمالكيانات الأضعف في عالم اليوم- خاصة الدول \"العربية والإسلامية\" – لا تتمع بمنهجسياسي خاص على اعتبار أنها أصبحت جزءاً ملحقاً بالكيان الأعظم اقتصاديا وسياسياًوهو الولايات المتحدة حالياً, وهى أقرب إلى حالات الدول المحتلة في عهد الاستعمارالأوربي القديم الذي خضع له العالم لقرنين ونصف من الزمان تقريباً.
وكما ذكرنابأن معرفة خريطة المصالح السياسية هو عمل ضروري لنجاح العمل التكتيكي السياسي, الذيبدورة لا يمكنه النجاح ما لم يستند إلى خطة سياسية على المستوى الإستراتيجي.
هذهالخطة
المزيد