جلال الدين حقانى
أسطورة فى تاريخ جهاد أفغانستان
(1)

من مصطفى حامد (ابو الوليد المصرى)
المصدر : موقع مجلة إمارة أفغانستان الإسلامية ( الصمــــــود ) عدد 45
برعاية موقع( أدب المطاريد ):
مقدمة:
ـــ { يعتبر مولوى جلال الدين حقانى من أبرز معالم مرحلة الجهاد ضد الحكم الشيوعى والغزو السوفييتى معا ( 1978 ـ 1992) . وينتمى مولوى حقانى إلى قبيلة زدران أحد القبائل الرئيسئة فى ولاية باكتيا المحازية لباكستان..
وكما هو معلوم فقد تلقى تعليمه فى المدارس الدينية فى أفغانستان ، شأن معظم قادة الجهاد فى مراحله الماضية والحاضرة، ثم أكمل تعليمه فى مدرسة الحقانية فى مدينة (أكورة ختك) فى الإقليم الحدودى القبلى من باكستان . ثم عمل مدرسا فى نفس المدرسة لمدة عام قبل أن ينخرط وبشكل دائم فى العمل الجهادى فى ولايات باكتيا وباكتيكا. وما زال مولوى حقانى منغمسا بفعالية كبيرة فى القتال ضد الأمريكيين وحلفائهم فى أفغانستان .
وهذه هى الحلقة الأولى حول ذلك العلم الجهادى الذى يمثل تاريخه أسطورة جهادية قل نظيرها.
وقد إعتمدت فى هذه الحلقة على أسلوب القصص الواقعى، معتمدا على روايات أقرب أصدقائه وتلامذته وإخوانه فى الجهاد . وقد كنت أجمع مادة عن بدايات الجهاد فى أفغانستان فى مرحلة ما بعد الإنقلاب الشيوعى (إبريل
1978) وفرغت فى بداية عام 1983 من إعداد كتاب صغير لم ينشر حتى الآن، وقد وضعت له عدة عناوين إنتهت إلى عنوان(أطياف العام الأول). محور الكتاب كان بدايات الجهاد فى تلك المرحلة التى تعتبر من أغرب المراحل فى تاريخ أفغانستان. ولكن للأسف لم يبذل إلا القليل جدا من المجهود لتوثيقها. وهكذا يندثر تاريخنا الإسلامى المجيد تاركين مهمة كتابته والتعليق عليه لأعدائنا !! وبهذا تفقد أمتنا تاريخها وتعيش بلا ذاكرة، وتتربى أجيالنا على إفرازات سامة من ثقافة الأعداء.
وهذه الحلقة هى جزء من ذلك الكتاب.
لقد تعرفت على مولوى حقانى فى يونية عام 1979 قبل الغزو السوفيتى لأفغانستان بعدة أشهر. ثم رافقته بعد ذلك طوال مدة مشاركتى الضعيفة فى جهاد أفغانستان حتى فتح جرديز فى أبريل1992 ثم فتح كابل بعدها بأيام قليلة. وتابعت العديد من إنجازات ذلك المجاهد العملاق، وأدركت شيئا من نواحى العظمة فى شخصيته كنموذج لعلماء أفغانسان العظماء وطلاب العلم المجاهدين الطاهرين ، الذين يقفون الآن سدا منيعا أمام أكبرهجمة صليبية على الأمة الإسلامية على نطاق العالم أجمع ، وعلى حصنه الأشد مناعة .. أفغانستان}ـــ
أطياف العام الأول
فى صبيحة اليوم الأول لحكم "طراقى" وبعد صلاة الفجر إجتمع عدد من الرجال فى مسجد
"حى المهاجرين" فى مدينة ميرانشاة الحدودية من باكستان. وكانوا يتحدثون بجدية بالغة حول أحداث الأمس فى كابل. وجميعهم من المهاجرين الذين فروا من بطش نظام "داود" الذى أطاح بالملك وأعلن الجمهورية المدعومة بأحزاب ماركسية. وكان هؤلاء من ضمن قلة عارضوا ذلك النظام فى أنحاء البلد ولكن الجمهور الأعظم خذلهم واختار مهادنة النظام ، لعل وعسى .
حاول هؤلاء الرجال إعلان الجهاد على نظام " داود" ولكنهم لم يتلقوا الدعم الشعبى الكافى. وقد أثبتت الأيام صدق نظرتهم ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن دفع المسلمون أثمانا باهظة جدا نتيجة لتقاعسهم عن أداء الواجب فى وقته المناسب.
فى مسجد المهاجرين إستقر رأى هؤلاء النفر على ضرورة الشروع من جديد فى الجهاد ضد النظام الشيوعى بعد أن أوضحت الأحداث وجهه البشع .
إتخذوا على الفور قرارا بالسفر إلى مدينة بيشاور حيث تعيش بعض القيادات الإسلامية التى فرت فى السابق من ظلم حكومات كابل المتوالية التى بطشت بالإسلاميين، وقرروا أن يبحثوا مع هؤلاء القادة إعلان الجهاد فورا ضد الحكومة الكافرة.
فى بيشاور وعلى مدار ساعات طويلة فى الليل والنهار دار النقاش وانقسمت الآراء.
فريق المجاهدين الأوائل من عهد "داود" كان يرى أن يتوجه العلماء فورا إلى داخل أفغانستان ويتصل كل منهم بقومه وأهالى منطقته ويحرضهم على الجهاد ويقودهم فى غماره.
فريق آخر إعترض على هذا الرأى وكانت حجتهم أن مواجهة القوات الحكومية الضخمة ذات الأسلحة والمعدات الحديثة، يعتبر نوعا من الإنتحار وإلقاء النفس إلى التهلكة وهذا لايجوز شرعا، والأولى هو إعداد قوة كبيرة ومجهزة بأسلحة حديثة خفيفة وثقيلة ثم الإنطلاق بها نحو تحرير البلاد. والأموال الازمة لتنفيذ ذلك المخطط يمكن الحصول عليها من الدول الإسلامية خاصة دول النفط . فتلك الدول حسب تقديرهم سوف تدرك تماما خطر إنقلاب أفغانستان الماركسى على مصالحهم. وإمعانا فى التفاؤل أيد هذا الفريق وجهة نظره بالقول بان دول الغرب التى تعد العدد والجيوش فى مواجهة الدول الشيوعية لن تلبث أن ترسل الأسلحة والأموال لدعم المقاتلين ضد النظام الشيوعى فى كابل.
من قالوا بضرورة الشروع فورا فى الجهاد أصروا على موقفهم بضرورة التوجه فورا إلى ميدان القتال وذلك لعدة أسباب هى :
أولا : أن حجج الفريق الآخر هى لتضييع الوقت فيما لا طائل من ورائه. فإنه خلال الوقت الذى سيضيع فى تجميع الأموال وإقناع الدول بمساعدة المجاهدين، سيتمكن الشيوعيون من تثبيت حكمهم والقضاء تماما على أى إمكانية للمقاومة.
ثانيا: إن إقبال الدول الإسلامية على مساعدة المناوئين لنظام كابل هو أمر غير مضمون ومشكوك فى جدواه.
ثالثا: مهما طال الزمن فلن نستطيع أن نجهز قوة توازى أو حتى تقترب من قوة الجيش الأفغانى الذى ينهل من الترسانة الروسية ما يشاء من أسلحة وذخائر.
فى بيشاور إحتدم الخلاف واستحال الإتفاق، وانطلق كل فريق كى ينفذ ما يراه صحيحا.
فريق " المساعدات أولا" إنطلق إلى دول النفط وإلى دول الغرب طالبا المساعدة.
وفريق " الجهاد الآن" رحل إلى داخل أفغانستان حتى يبدأ من هناك.
عاد الشيخ " جلال الدين حقانى" من بيشاور ونقاشتها المجدبه إلى بيته فى ميرانشاة حيث الأهل والمهاجرون وأصحاب الجهاد القديم . ومن جديد أعلن الجهاد وإلتف حوله عدد من الأوائل الذين سبق لهم الجهاد ضد حكم "داود". منهم مولوى" محمود لاله" المجاهد العجوز الذى ناهز السبعين ومازال يتمتع بقوة خارقة وجسد أمتن من الصخر. ومعه رفيق الدراسة والصبا مولوى "أحمد جول" العابد الناسك ، وأربعة من طلاب العلم الشباب. جمع كل منهم مالديه من مال وباع ما يمتلك من حطام تاركين أسرهم بلا مال واشتروا بما يملكون ذخائر وأطعمة وأغطية. وكان لديهم منذ أيام الجهاد ضد نظام "داود" سبعة بنادق إنجليزية قديمة من غنائم الحرب الأفغانية ضد الإنجليزية. واشتروا حمارا هرما حملوا عليه متاعهم.
إنطلق الرجال السبعة عبر شعاب الجبال إلى ولاية باكتيا حيث تقطن أشد القبائل الأفغانية بأسا والذين لقنوا فى الماضى الحملات البريطانية دروسا مريرة.
إستقر جلال الدين فى شعاب الجبال واتصل بقومه فى زدران. فوصل إليه سرا وفدا من القرى الجبلية. وأخبروه أن قوات الحكومة جاءت وأحرقت منزله ومنازل أقربائه. وأن الدبابات وصلت إلى القرية وأرهبت الناس. والحكومة حذرت الأهالى من أن أى محاولة للعصيان سوف تجابه بأقصى درجات العنف. وأن الناس خائفون ومقتنعون بأن بنادقهم لن تجدى نفعا أمام دبابات الحكومة وطائرات الميج التى تمسح سماء منطقتهم عدة مرات يوميا.
ثم زودوا جلال الدين ومجموعته ببعض الأطعمة، واعتذروا لهم بعدم القدرة على المساعدة بأكثر من ذلك. ثم عادوا من حيث أتوا.
كان اللقاء مخيبا للآمال ومحبطا لعزيمة أشجع الرجال.
فى الصباح كانت الحكومة على علم بوجود جلال الدين ومجموعته. فأرسلوا عدة مفارز لتمشيط الجبل، وتزايد نشاط الطائرات فى سماء المنطقة. فتقهقر جلال الدين ورجاله إلى الجبال الوعرة. أوشك الطعام على النفاذ وكاد الحمار أن يموت من الإعياء ومشقة الطريق.
فى المساء جلسوا للتشاور. أوقدوا نارا للتدفئة. كان جلال الدين منهكا وجائعا ولكنه صلبا لا يلين وأصحابه المنهكين الجائعين المطاردين قد نفذ برد الجبال إلى عظامهم. كان هو أمير الركب وعليه أن يتخذ القرار وأن يوضح لهم كيف يتصرفون.
فى هذه اللحظة العصيبة قال لهم جلال الدين:
ـ سنجاهد فى سبيل الله ولو خذلنا الناس جميعا. وما النصر إلا من عند الله . لن نخاف جيش الحكومة وقد قال الله لنا " والله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين". نحن سبعة أشخاص فى مواجهة جيش من ثمانين ألفا ولكن الله قال" وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله". ولناعبرة فى نصر الله سبحانه وتعالى للمؤمنين على جالوت وجيشه الضخم. ونصره تعالى لموسى وقومه الأذلاء على فرعون وجيشه الجبار. وكلنا يحفظ أحداث غزوة بدر ونصر الله لرسوله الكريم وصحبه الكرام. فمن أراد منكم الدنيا ونعيمها فليرجع إلى أهله ويعيش راضيا إن شاء فى ذل النفى أو قهر الكفر. ومن أراد الشهادة فليبق معى، فغدا بعد صلاة الفجر نهاجم الحامية الحكومية التى فى الوادى ، وليقض الله أمرا كان مفعولا.
سالت العبرات من أعين الرجال وقاموا واحدا تلو الآخر فتوضؤا من جدول قريب ينساب ماؤه الصافى من بطن الجبل .. وظلوا يتهجدون إلى منتصف الليل .
فالصبح موعدهم مع الشهادة .
إنتهى الرجال من صلاة الفجر وتناول كل منهم بندقيته يتفحصها بسرعة ووضعوا أحزمة الطلقات على أكتافهم وهمس جلال الدين مبتسما مشرق الوجه : " الله ياريح الجنة " .
إبتسم الرجال وتجهزوا للرحيل . رفع جلال الدين يديه إلى السماء وإلتف الرجال حوله يؤمنون على دعائه . واغرورقت عيناه بالدمع ، وقال من الدعاء ما كان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدء القتال .
ومسح لحيته بعد أن فرغ من الدعاء ، وأصدر أمره بالتحرك .
تطاير الرجال السبعة فوق الصخور كأنهم فراشات طائرة ، أوسبعة من العاشقين إستبد بهم شوق مبرح . واقتربوا حتى مائتى متر قرب المعسكر .
طلب جلال الدين من أقوى رجاله صوتاً . أن يدعوا جنود المعسكر إلى التسليم والإنضمام إلى معسكر المسلمين ـ فهذه من وصايا الرسول لجنده فى الحرب .
وقف الرجل منادياً الجند بأعلى صوته موضحاً لهم كفر الحكومة وحرمه مساعدتهم فى قتل المسلمين وتخريب ديارهم .
لم يكد يفرغ من رسالته حتى أجابته من داخل المعسكر صيحة منكرة تقول "هوراه" .
إنها صيحة الشيوعيين فى الحرب، ثم أعقبتها صليات طويلة من أسلحة أتوماتيكية .
صاح جلال الدين " الله اكبر " مؤذنا رجاله ببدء القتال .
إستمر تراشق النيران متصلاً. سبعة بنادق عتيقة من مخلفات القرن الماضى ضد أسلحة أتوماتيكية تطلق مئات الطلقات فى الدقيقة الواحدة .
كان واضحا أنه لا أمل ـ وأن ما يحدث هو الجنون بعينه .
بعد ساعتين من بدء المعركة توقفت الحامية الحكومية عن إطلاق النار ، فتوقف المجاهدون فى دهشة ليستطلعوا الأمر.
وجاءت أصوات الجنود تطالبهم بعدم إطلاق النار فإنهم يستسلمون .
خرج جنود الحامية من مواقعهم يهتفون "الله اكبر" ويسحبون جثة رجل من قدميه ـ إنه قائدهم "الخلقى" ـ { أى المنتمى إلى حزب خلق الشيوعى } ـ
لقد أطلق أحد الجنود النار عليه وأرداه قتيلا ـ وانضمت الوحده بالكامل للمجاهدين .
ولم يستشهد أو يجرح أحد من المجاهدين السبعة .
إهتزت باكتيا وكامل منطقة الجنوب للنبأ الذى تطاير على رؤوس الجبال .
وإنضم إلى رجال جلال الدين عشرات من شباب القبائل . وتدفقت معونات الأطعمة والألبسه والدواب من قبائل الجنوب . وفى اليومين التاليين للمعركة إتضح للجميع أن المقاومة ضد الحكومة ممكنة .
ولكن ظل هذا التساؤل المزعج يؤرق الجميع: ماذا لو جاءت الدبابات ؟؟ .
ظل هذا التساؤل يكدر خاطر الجميع دون أن يبوحوا به لقائدهم جلال الدين .
إن البنادق والرشاشات التى غنموها لا تؤثر فى هذه الوحوش الفولاذية .. فما العمل ؟ .
لم يستمر التساؤل طويلا .. فقد حسمت الحكومة الأمر وأرسلت قوة كبيرة من المشاة والدبابات لتأديب المنطقة .. ووصل الخبر إلى جلال الدين بأن القوة الحكومية قد تحركت من عاصمة الولاية فى طريقها إليكم .
وشعر الكثيرين بالإرتباك ـ وأصيب البعض بالذعر ـ خاصة من شاهدوا هذه الوحوش وهى تدك بعض القرى القريبة .
إجتمع القوم بجلال الدين يستطلعون رأيه فى هذه المعضلة . فوجده الرجال هادئا مبتسما وقد خرج لتوه من الصلاة.
فمازحهم قائلا: لعلكم خائفون لأن الدبابات قادمة إليكم.
قالوا له : نعم .. ليس لنا طاقة بحرب الدبابات، وليس لدينا سلاح يؤثر فيها.
سألهم مبتسما: أيهم أقوى .. الله خالق السماوات والأرض أم الدبابات؟.
دهش القوم من سؤال العالم الجليل، وأجابوه بلا تردد:
ـ بل الله سبحانه وتعالى.
قال ملاطفا ولكن بحزم: من كان يؤمن بذلك حقا فهو مؤمن صحيح الإيمان. ونحن إن لم ننتصر فزنا بما هو أفضل من النصر، فزنا بكرامة الشهادة ورفقة رسوله الكريم وأصحابه فى الجنة. فمن يحب أن تكون له تلك الكرامة فليأت معى، فأنا ذاهب لإنتظار الدبابات عند مضيق الجبل.
تحول جذرى
تحرك مع جلال الدين خمسون رجلا صوب المضيق. بعضهم كان يحمل سلاحا آليا.
فلأول مرة يحمل بدو تلك المناطق أسلحة آلية. تبسم جلال الدين وهو يتفكر فى هذه الطرفة. وتمتم بها فى أذن زميله المجاهد العجوز " محمود لاله". ثم علق على ذلك قائلا:
ـ هذه من بركات الجهاد يا شيخ محمود.
فضحك الشيخ محمود من كل قلبه.
وقف جلال الدين منتصبا فى وسط الممر الجبلى الذى يخترقه طريق ممهد لم يتم رصفه بعد. وتوجه إلى رجاله بالقول:
ـ هنا تتنزل علينا الملائكة إن كنا من الصادقين.
ورفع يديه إلى السماء فى دعاء متضرع إلى الله يسأله النصر على الأعداء أو الشهادة فى سبيلة. فأجهش الشيخ محمود باكيا فى نحيب مرتفع متذكرا سنوات عمره السبعين التى مضت من غير أن يفوز بلقاء الأحبة.
توزع الرجال على مواقعهم فوق القمم الصخرية. ومع إرتفاع الضحى جاءت من بعيد زمجرة الوحوش الحديدية.
ما أن وصلت الدبابة الأولى إلى فوهة الممر لتعبر خارجة منه حتى جاءت صيحات التكبر وانهالت رصاصات المجاهدين على الوحوش الحديدية.
الدبابات التى لم تدخل الممر فتحت نيران رشاشاتها الثقيلة على القمم الصخرية المحيطة لتوقف نيران المجاهدين.
وسط ضجيج الرشاشات وت
المزيد